نماذج من أدب الإمام عليّ بن أبي طالب (ع)

9/10/2017
العددان الثلانون والواحد والثلاثون ايلول-2017

 

وتحليلها في مرايا: النشأة والحياة والعوامل المؤثرة في شخصيته وأدبه والأغراض والخصائص

  

الحلقة السابعة

بقلم د. يسري عبد الغني عبدالله

عرفنا: أن الإمام الجليل عليّ بن أبي طالب (ع) هو ابن عم رسول الله الهادي البشير (عليّه الصلاة والسلام)، وبعل إبنته السيدة فاطمة الزهراء u، ضمَّه (عليّه الصلاة والسلام) إليه وعمره ست سنوات، فنشأ معززاً مكرّماً في بيت النبوة، وفي رحاب المبعوث هدىً ورحمة للعالمين، والّذي أُرسل ليتمم مكارم الأخلاق (عليّه الصلاة والسلام)، ينقل من خلقه، ويستمع إلى أحاديثه المطهّرة، وينهل من فيض علمه وحكمته، ويفيد من المواقف المختلفة التي تَمرُّ بالرسول الكريم (عليّه الصلاة والسلام).

كان عليُّ بن أبي طالب (ع) أول من أسلم، ولازم الدعوة الإسلامية منذ أن بدأت حتى قويت وعمَّ نورها في العالمين، واشترك في نشر كلمة الله التي هي العليا، وكافح من أجل ذلك أصدق كفاحٍ.

وعلمنا: أنه بويع (ع) بالخلافة سنة 35 هـ، وبعد مقتل عثمان بن عفان، وسط عواصف شديدة من الخلاف الذي ثار حول مقتل الخليفة الراحل، فقد خرج عليه معاوية بن أبي سفيان، وخرج عليه طلحة والزبير بن العوام، وقضى فترة خلافته في صراع حاول فيها العمل بكلِّ جهده على استقرار أمن الدولة، ولكن الحوادث كانت تتطور بشكل مأساوي، وكانت قصة التحكيم التي نعرفها جيداً، والتي انشقَّ عليّه بعدها الخوارج، وقتل بيد أحدهم غيلة، وهو في مسجد الكوفة العراقية بعد صلاة الفجر سنة 40 للهجرة.

العوامل التي أثرت

في شخصيته وخطابته (ع):

كانت هذه النشأة الطيبة الطاهرة التي نشأها الإمام عليّ بن أبي طالب (ع)، وجواره الكريم لرسول الله (عليّه الصلاة والسلام)، واقتباسه من علمه وخلقه وحكمته، من أشدّ ما أثر في شخصية الإمام عليّ بن أبي طالب (ع).

كان رجل خُلُقٍ ودين وعلم وعدل وحكمة وسلام، ينظر إلى الأمور من خلال ما انطبعت عليّه نفسه من سمو ورقي وصفاء، وما رسمه له الدين من حدود، وما امتلأت به نفسه من ثقافة، غلب عليّها الجانب الروحي، ولهذا كان الإمام الجليل عليّ بن أبي طالب في حكمه وتصريف أموره يصدر عن هذه النظرة، ويترفع عن كل ما يخالف المُثُل التي رسمها لنفسه.

ثم كان لهذه العوامل، مع فطرته (ع)، وتوقّد ذهنه، أثرها في ثقافته الدينية، فقد أنشأت منه عالماً فذًا يحتكم إليه في المعضلات، ويؤخذ برأيه فيها، كما نرى في القصة التالية:

دخل العسس (الجنود أو الحرس) بأبي محجن الثقفي (الفارس والشاعر) وندمائه على عُمر بن الخطاب، فسألهم: أشربتم الخمر بعد أن حرّمها الله ؟!، فأجابه لسان القوم أبو محجن الثقفي:

كيف حرّمها الله يا أمير المؤمنين، وهو يقول في كتابه العزيز: } لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ...{ [المائدة : آية 93].

فبادر عمر بن الخطاب، فأرسل إلى الإمام عليّ بن أبي طالب (عليّه السّلام)، (مرجع الفتوى وفيصل الحكم)، فلما حضر قال: لو كان القصد من الآية هو ما فهمه الثقفي وندماؤه لساغ لهم أن يستحلوا الميتة والدم ولحم الخنزير، وأرى أن يقتلوا إن كانوا قد شربوا الخمر مُستحلّين، وأن يجلدوا إن كانوا قد شربوها وهم يعتقدون حُرمتها، فسألهم عُمر بن الخطاب، فقالوا: والله ما شككنا في أنها حرام، فجعل يجلدهم رجلاً رجلاً حتى انتهى إلى أبي محجن الثقفي ، فلما جلد قال:

وإني لذو صبر، وقد مات أخوتي

وَلستُ عن الصهباءِ يوماً بصابرِ

فقال له عُمر: أبديت ما في نفسك، ولأزيدنك عقوبة لإصرارك!

فقال عليّ بن أبي طالب حُجَّة القضاء (ع): ليس لك ذلك يا عُمر، وما يجوز أن تعاقب رجلاً، قال سأفعل، وهو لم يفعل!

أقول لكم: من نبع هذه النشأة الكريمة الطيبة، وظروف الحياة النقية الصافية التي مرّت بالإمام عليّ بن أبي طالب (ع) جاء أدبه، فقد قبس من فصاحة مُحمّد بن عبد الله (عليّه الصلاة والسلام) إمام الخلق وسيد الفصحاء والبلغاء الذي جاء بالحقِّ ليتمم مكارم الأخلاق، واستمدَّ من روحه، واتصل صلة قوية بالقرآن الكريم الذي كان أحد كُتَّابه، وحفظ الكثير من شعر العرب وأمثالهم وحِكَمهم، وعرف الكثير عن أيامهم، وتاريخهم، فجمع بين الثقافة العربيّة حتى عصره، والثقافة التي جاء بها الدين الجديد، دين الحقِّ والعدل والخير والجمال والمحبة والتسامح، وصدر في أدبه عن ذلك كله.

أغراض خطبه:

للإمام عليّ بن أبي طالب (ع) أدب نثري غزير، منه الخطب، والرسائل، والوصايا، والحكم، ولكن معظم دارسي الأدب يقفون أمام خطبه قبل كلّ شيء.

لقد لقب النقّاد الإمام الكريم عليّ بن أبي طالب (ع) بإمام الخطباء، وذلك لتعدد اتجاهات خطبه، ومعالجتها لكثير من القضايا والأمور المختلفة، ومنها:

1 ـ الخطب السياسية:

وهي التي ترسم ملامح العلاقة بين الحاكم والمحكوم (الرعية)، وحقُّ كل منهما على الآخر، ولو عاد أهل السياسة في زمننا هذا إلى هذا النبع الثري من خطب الإمام الكريم عليّ بن أبي طالب (ع) سيّد الخطباء، لاستفادوا منها الكثير والكثير، وما ارتكبوا في حقِّ البشر ما يرتكبونه من جرائم تؤدي بالناس إلى التعاسة وعدم الاستقرار والبعد عن الأمن والأمان.

2 ـ الخطب الدينية:

وهي التي توضح للناس أمور دينهم، وتحثهم على مُراقبة الله والعمل الصالح، وفي كتاب: (نهج البلاغة) نقرأ العديد من الخطب القيمة عن ابتداء خلق السموات والأرض وتمجيد الله وبيان قدرته، وخلق السموات والأرض والملائكة، وصفة آدم (ع)، وبعثة خاتم الأنبياء والمرسلين مُحمّد بن عبد الله (ص)، ونزول القرآن الكريم، وذكر فريضة الحج، وحديث عن الحمد لله، وآل النبي (ص)، والمنافقين وصفاتهم ... إلخ ...

3 ـ الخطب الحربية:

وهي التي تحثُّ النّاس على الجهاد ضد الأعداء، وتوضح كيفية مُعاملة المسلم لعدوه أثناء القتال، وكيفية معاملة الأسرى أحسن معاملة، وذلك بالطبع قبل أن نتشدق بنصوص القانون الدولي، ونردد دون وعي ما يسمى بحقوق الإنسان.

نماذج من أدب الإمام عليّ

بن أبي طالب (ع) وتحليلها:

النموذج الأول ـ ويأتي الدهر بالخُطبِ الفادح:

كان بين الإمام عليّ بن أبي طالب (ع) ومعاوية بن أبي سفيان خلاف حول قَتَلة عثمان بن عفان ـ كما عرفنا ـ واشتدَّ النزاع والتقى جيش عليّ وجيش معاوية في صفين، وفكرَّ عمرو بن العاص صاحب معاوية في حيلة يخذل بها أصحاب عليّ عنه، فنادوا بأن يحتكموا إلى كتاب الله المجيد، ورفعوا المصاحف فوق أسنة الرماح والسيوف، وعرف عليّ بن أبي طالب أنها خُدعة، ولكن بعض أصحابه ألحّوا عليّه في قبول التحكيم فقبله، وثار ضده آخرون، وانشقوا عليّه، وهؤلاء هم الخوارج، وكانت مُحنة ما بعدها محنة، تألم لها الإمام عليّ (ع) فخطب بعد هذا التحكيم يقول:

«الحمد لله، وإن أتى الدهر بالخَطبِ الفادح (الشديد)، والحدث الجلَل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ليس معه إله غيره، وأن محمداً عبده ورسوله، (ص) وآله، أما بعد: فإن معصية الناصح الشفيق تورث الحسرة، وتعقب الندامة (الحسرة) وقد كنت أمرتكم في هذه الحكومة (التحكيم) أمري، ونخلت لكم مخزون رأيي (عرض عليّكم خلاصته)، ولو كان يُطاع لقصير أمر (مثل عربي قديم، يضرب للناصح الخبير الذي لا يطاع)، فأبيتم عليّ َآباء المخالفين الجُفاة، والمنابذين (المخالفين) العُصاة، حتى ارتاب الناصح بنصحه، وضن الزند بقدحه (أي لم يخرج ناره، وهي كناية عن الأحجام عن إباء الرأي للاقتناع بعدم جدواه)، فكنت وإياكم كما قال أخو هوازن (دريد بن الصمة، الشاعر الجاهلي، الذي نصح قومه في حرب، فتباطأوا في تنفيذ ما نصحهم به ، فهزمهم أعداؤهم ):

أمرتهم أمري بمنعرج اللوى

فلم يستبينوا النُصح إلا ضحى الغد»

وهي ـ كما ترى ـ خطبة تفيض حسرة وألماً لما صار إليه أمر الأُمة إزاء هذه الفرقة وما وجد من أصحابه من تخاذل وإحكام، وفيها بيّن رأيه في التحكيم، وموقف أصحابه منه وأَثرَّ ذلك في نفسه، وساق في هذه الخطبة الحكمة والمثل، وضمّنها الشعر، واعتمد فيها على جزالة اللفظ ومتانة الأسلوب، والمقاطع ذات الجرس القوي، وجاء فيها بالسجع التلقائي الفطري أحياناً، عندما يقول: المخالفين الجفاة، المنابذين العصاة، ارتاب الناصح بنصحه، وضن الزند بقدحه.

وهي على قصرها تصور الكثير والكثير من ميزات إمام الخطباء عليّ بن أبي طالب (ع) في خطبه.

النموذج الثاني ـ

عندما يكون المتخاذل مقهوراً:

قلنا: إن الخطيب الذي معنا الإمام عليّ بن أبي طالب (ع) ابن عم رسول الله محمد(ص)، وبعل ابنته فاطمة الزهراء u، نشأ في بيت النبوة، وفي رحاب الرسول الكريم، ينقل من خُلُقه، ويستمع إلى أحاديثه، وينهل من فيض حكمته وعلمه وأدبه، ويفيد من المواقف المختلفة التي تَمرُّ بالرسول (عليّه الصلاة والسلام).

لقد حدث في أعقاب مقتل عُثمان بن عفان خروج لمعاوية بن أبي سفيان على الإمام عليّ بن أبي طالب (ع)، حيث كان معاوية يتطلع إلى الخلافة طالباً بالثأر لعثمان، وكان له قوة تؤيده وتناصره، وفي السطور التالية نعرض خطبة للإمام عليّ بن أبي طالب (ع)، يستثير فيها أصحابه، ويدعوهم لرد معاوية عن موقفه:

أ ـ يقول:«عباد الله! مالكم إذا أمرتكم أن تنفروا (تمضوا للقتال) في سبيل الله أثاقلتم (تباطأتم) إلى الأرض؟! أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة بدلا ؟ وبالذل والهوان من العزِّ خلفا؟».

في هذا المقطع يستثير الإمام عليّ (ع) أصحابه إلى القتال، فيقول: ما خطبكم؟ كلما دعوتكم إلى الجهاد تباطأتم، أتراكم غرتكم الحياة الدنيا بمفاتنها، فجعلتموها بدلاً من الحياة الآخرة، والآخرة أخلد وأبقى؟، أتراكم آثرتم الاستكانة على حياة العزّة والكرامة.

ولكي يبلغ عليّ (ع) من نفوس سامعيه ما يريد لجأ إلى ما نسميه في البلاغة إلى أسلوب الاستفهام التعجبي الإنكاري، كما استثارهم بإشارته إلى الخسارة البالغة حين يرضون بالدنيا بديلاً عن الآخرة التي هي خير وأبقى، وبالذل بديلاً من العزّة والكرامة.

ب ـ ويقول: « لله أنتم ! تُكادون ولا تكيدون، وتُنتقص أطرافكم فلا تمتعضون (لا تشمئزون)، ولا ينام عنكم وأنتم في غفلة ساهون، إن أخا الحرب اليقظان ذو العقل، وبات لذل من وادع، وغلب المتخاذلون والمغلوب مقهور ومسلوب».

يتابع الإمام عليّ بن أبي طالب (ع) مُخاطبة القوم فيظهر عجبه من أمرهم، ويقول لقد غلب عليّكم الضعف، حتى لقد يقع عليّكم الأذى فلا ترفعونه، ويُغِير المعتدون على نواحي بلادكم فلا تضيقون بغاراتهم، ويقفون لكم بالمرصاد وأنتم غافلون، وليس من شأن رجل الحرب الغفلة بل اليقظة والحذر، ومن وطَّن نفسه على الموادعة والمسالمة لحقته المهانة، والمتخاذل مصيره أن يُغلب والضعيف لا حول له ولا قوة يدفع بها عن نفسه وماله وعرضه .

ولهجة الخطبة تميل إلى شيء من الهدوء، فهو يتخلى عن الأسلوب العنيف، ويجنح إلى إطلاق الحِكَم الجميلة المعبّرة، وضرب الأمثال، ويأتي بطائفة من أقواله المأثورة، يستثير بها همم المخاطبين، وتكسو كلامه رواءً، وتزيده تأثراً.. كما يستثيرهم بالموازنة بين موقفهم وموقف من تصدَّوا لهم، بما يبعث حوافز الحميّة في نفوسهم.

ج ـ ثم يقول:« أما بعد: فإنّ لي عليّكم حقاً، وإن لكم عليّ حقًا، فأما حقكم عليّ فالنصيحة لكم ما صحبتكم، وتوفير فيئكم (العطاء) عليكم، وتعليمكم كي لا تجهلوا، وتأديبكم كما تعلموا، وأما حقّي عليّكم فالوفاء بالبيعة، والنصح لي في المغيب والمشهد (سواء أكنت غائبًا عنكم أم حاضراً )، والإجابة حين أدعوكم، والطاعة حين آمركم، فإن يرد الله خيرًا تنزعوا (تقلعوا وتكفوا)عما أكره، وترجعوا إلى ما أحبَّ، تنالوا ما تطلبون، وتدركوا ما تأملون».

في القسم الأخير من الخُطبة يُفصِّل القائد عليّ بن أبي طالب (ع) ما له من حقوق، وما عليّه من واجبات، فلهم عليّه أن يبذل نُصحه، وأن يوّفر نصيبهم من العطاء، وأن يأخذهم بالتعليّم والتأديب، وله عليّهم الوفاء بالبيعة التي في أعناقهم، وأن يقدموا له نصحهم شاهداً كان أو غائباً، وأن يلبوا نداءه إذا استنفرهم ، وذلك كله خليق بأن يحقق طلبهم، وينيلهم بغيتهم، المهم أن يستمع الحاكم إلى كل المحكومين مهما اختلفوا معه في الرأي أو التوجه، بعيداً عن أي إقصاء لأية فئة.

لا يكاد الإمام عليّ بن أبي طالب (ع) يبلغ هذا القسم الأخير من خطبته، حتى يستردّ هدوء نفسه كاملاً، فإذا هو يخاطب القوم بلهجة أدنى إلى اللين والرفق، يفصل ما لهم وما عليّهم، ويرغّبهم في طاعة إمامهم وتلبية أوامره.

وكما نرى فإنّ عليّاً بن أبي طالب (ع) يبدأ هذا القسم بقوله:« أما بعد»، فنشعر بأن ما قبلها كان تمهيداً ينتهي به إلى ما يقصده من الخُطبة، كما أنّه يجعل ما له وما عليّه في قول مُرّكز مؤكد:« إن لي عليّكم حقّاً، وإن لكم عليّ حقّاً»، ثم يُعقب هذا القول بتفصيل دقيق جميل، ومما يعجبنا أنّه بدأ بما عليّه ثم أتى بما له، والكلام يأتي خلال أسلوب خبري هادئ، يأتي من الصور البلاغية وإن لم يَخلُ من مراعاة الموسيقى اللفظية.

والخطبة التي معنا مثال مُعبّر عن خُطب العصر الإسلامي، نلاحظ في يُسرِ ما فيها من الإيجاز، وقصر الفقرات، والحرص على تخيّر التراكيب القوية الموحية، وتنوع الأسلوب بين استفهام، وتعجّب وإنكار.

كما نلاحظ ما يتجلى فيها من قوة العاطفة، وتدفق الشعور، وتلك كلها من خصائص الأسلوب الخطابي، الذي يتوخى التأثير في المخاطبين وتحريك مشاعرهم.

وإلى جانب ذلك نُلاحظ تأثر هذه الخطبة بالقرآن الكريم، فالخطيب يستمدُّ من معانيه وصوره وألفاظه، ويتأثر بأسلوبه في ميله أحياناً إلى نظام الفواصل المسجوعة، كقوله:« تنالوا ما تطلبون، وتدركوا ما تأملون».

لقد كان القرآن الكريم المُعين الذي لا ينضب، والمنهل العذب الذي استقى منه جميع البلغاء والأدباء والحكماء والخطباء ، وكان تأثر الإمام عليّ بن أبي طالب (ع) به واضحاً في جميع خطبه البليغة .

وفي ضوء هذه الخطبة، وغيرها من كلامه (ع) ـ يتضح لنا أنّه قُمةٌ شامخة من قُمم الخطابة العربية، يكاد لا يجاريه خطيب آخر في فصاحة لسانه، وقوة أدائه، وروعة بيانه.

 

 

 

النموذج الثالث ـ

خطبة لعليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه) في الجهاد:

روى الجاحظ أن سفيان بن عوف الأزدي ثم الغامدي أغارا على الأنبار، زمان عليّ بن أبي طالب (ع)، وعليّها حسّان بن حسّان البكري فقتله، فبلغ الخبر الإمام عليَّاً (رضي الله عنه)، فوقف خطيباً على الناس، فحمد الله وأثنى عليّه وصلى على نبيّه، ثم قال:[«أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَتَحَهُ اللهُ لِخَاصَّةِ أَوْلِيَائِهِ، وَهُوَ لِبَاسُ التَّقْوى، وَدِرْعُ اللهِ الْحَصِينَةُ، وَجُنَّتُهُ الْوَثِيقَةُ. فَمَنْ تَرَكَهُ رَغْبَةً عَنْه، أَلْبَسَهُ اللهُ ثَوْبَ الذُّلِّ وَشَمِلَهُ الْبَلاَءُ، وَدُيِّثَ بِالصَّغَارِ وَالْقَمَاءَةِ، وَضُرِبَ عَلَى قَلْبِهِ بِالإِسْدَادِ، وَأُدِيلَ الْحَقُّ مِنْهُ بِتَضْيِيعِ الْجِهَادِ، وَسِيمَ الْخَسْفَ، وَمُنِعَ النَّصَفَ.أَلاَ وَإِنِّي قَدْ دَعَوْتُكُمْ إِلَى قِتَالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لَيْلاً وَنَهَاراً، وَسِرِّاً وَإِعْلاَناً، وَقُلْتُ لَكُمْ: اغْزُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَغْزُوكُمْ، فَوَاللهِ مَا غُزِيَ قَوْمٌ قَطُّ في عُقْرِ دَارِهِمْ إِلاَّ ذَلُّوا. فَتَواكَلْتُمْ وَتَخَاذَلْتُمْ حَتَّى شُنَّتْ عَلَيْكُمُ الْغَارَاتُ، وَمُلِكَتْ عَلَيْكُمُ الأوْطَانُ. وَهـذَا أَخُو غَامِد وَقَدْ وَرَدَتْ خَيْلُهُ الاْنْبَارَ، وَقَدْ قَتَلَ حَسَّانَ بْنَ حَسَّانَ الْبَكْرِيَّ، وَأَزَالَ خَيْلَكُمْ عَنْ مَسَالِحِهَا، وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ وَالأُخْرَى الْمُعَاهَدَةِ، فَيَنْتَزِعُ حِجْلَهَا، وَقُلْبَهَا، وَقَلاَئِدِهَا وَرِعَاثَهَا، مَا تَمْتَنِعُ مِنْهُ إِلاَّ بِالاِسْتِرْجَاعِ وَالاِسْتِرْحَامِ، ثُمَّ انْصَرَفُوا وَافِرِينَ مَا نَالَ رَجُلاً مِنْهُمْ كَلْمٌ، وَلاَ أُرِيقَ لَهُمْ دَمٌ. فَلَوْ أَنَّ امْرَءاً مُسْلِماً مَاتَ مِنْ بَعْدِ هـذَا أَسَفاً مَا كَانَ بِهِ مَلُوماً، بَلْ كَانَ بِهِ عِنْدِي جَدِيراً. فَيَا عَجَباً! وَاللهُ يُمِيتُ الْقَلْبَ وَيَجْلِبُ الْهَمَّ مِن اجْتِمَاعِ هؤُلاَءِ الْقَوْمِ عَلَى بَاطِلِهِمْ وَتَفَرُّقِكُمْ عَن حَقِّكُمْ فَقُبْحاً لَكُمْ وَتَرَحاً، حِينَ صِرْتُمْ غَرَضاً يُرْمى يُغَارُ عَلَيْكُمْ وَلاَ تُغِيرُونَ، وَتُغْزَوْنَ وَلاَ تَغْزُونَ، وَيُعْصَى اللهُ وَتَرْضَوْنَ! فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ فِي أَيَّامِ الْحَرِّ (الصّيف) قُلْتُمْ: هـذِهِ حَمَارَّةُ الْقَيْظِ، أَمْهِلْنَا يُسَبَّخُ عَنَّا الْحَرُّ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ فِي الشِّتَاءِ قُلْتُمْ:” هـذِهِ صَبَارَّةُ الْقُرِّ؛ أَمْهلْنَا يَنْسَلِخْ عَنَّا الْبَرْدُ؛ كُلُّ هذَا فِرَاراً مِنَ الْحَرِّ وَالْقُرِّ؛ فَإِذَا كُنْتُمْ مِنَ الْحَرِّ وَالْقُرِّ تَفِرُّونَ؛ فَإذَا أَنْتُمْ وَاللهِ مِنَ السَّيْفِ أَفَرُّ. يَا أَشْبَاهَ الرِّجَالِ وَلاَ رِجَالَ! حُلُومُ الاْطْفَالِ، وَعُقُولُ رَبَّاتِ الْحِجَالِ، لَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَرَكُمْ وَلَمْ أَعْرِفْكُمْ مَعْرِفَةً، وَاللهِ، جَرَّتْ نَدَماً وَأَعَقَبَتْ سَدَماً. قَاتَلَكُمُ اللهُ! لَقَدْ مَلأتُمْ قَلْبِي قَيْحاً، وَشَحَنْتُمْ صَدْرِي غَيْظاً، وَجَرَّعْتُمُونِي نُغَبَ التَّهْمَامِ أَنْفَاساً، وَأَفْسَدْتُمْ عَلَيَّ رَأْيِي بِالْعِصْيَانِ وَالْخذْلاَنِ؛ حَتَّى لَقَدْ قَالَتْ قُرَيْشٌ: إِنَّ ابْنَ أَبِي طَالِب رَجُلٌ شُجَاعٌ، وَلكِنْ لاَ عِلْمَ لَهُ بِالْحَرْب.

للهِ أَبُوهُمْ! وَهَلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَشَدُّ لَهَا مِرَاساً، وَأَقْدَمُ فِيهَا مَقَاماً مِنِّي! لَقَدْ نَهَضْتُ فِيهَا وَمَا بَلَغْتُ الْعِشْرِينَ، وَهـا أنا ذا قَدْ ذَرَّفْتُ عَلَى السِّتِّينَ! وَلكِنْ لاَ رَأْيَ لِمَنْ لاَ يُطَاعُ (1)»].

التحليل:

ـ استهلَّ الإمام عليّ بن أبي طالب (ع) بالحديث عن الجهاد ووصفه، وبيان قَدْره إذ هو باب من أبواب الجنة، ثم نراه يستطرد في تأنيب المسلمين لتخاذلهم عن القتال، وينتقل بحديثه هذا ليروي لهم ما نما إليه من خبر سفيان بن عوف الغامدي، وإغارته على الأنبار، وقتله الرجال وإلحاق الأذى بالنساء المسلمات والكتابيات، ويتعجب من جدّية هؤلاء في باطلهم، وتقاعس مخاطبيه في حقهم، وقد وصل بهم الأمر إلى درجة أنهم أصبحوا غنيمة للأعداء، يغزون في ديارهم، ويعصى الله على علم وبصيرة منهم، وهم قانعون راضون بهذا الخزي، وذلك العار الذي لحق بهم، وإنه كلما دعاهم إلى الجهاد جعلوا حجتهم الحر والبرد، وهم في الحقيقة يفرون من السيف فلا يغزون ولا يُغيرون، ويبدو من الخطبة أن أمر جنوده قد تفاقم عنده فأخذ يصفهم بالصغار والضعف وقلّة العقل، وقد أصابه ذلك بالندم في نفسه والغيظ في صدره، خاصة بعد أن أدعتُ قُريش أنَّه شُجاع ولكن ليس لديه خبرة في الحرب، وكيف هذا وهو الذي خاض الحروب وهو شاب لم يبلغ العشرين بعد ؟، وفي الختام يرى أنّه يأمر فلا يُطاع، وينادي للجهاد فلا يُجاب.

ـ استهل الإمام عليّ (ع) خطبته بوسيلة من وسائل الترغيب، وذلك في قوله:« إنّ الجهاد هو باب من أبواب الجنّة»، فيجب على المؤمنين السعي وراءه ليكسبوا الجنّة، ثم لا يلبث أن نراه ينتقل إلى الترهيب دون شدة، وذلك في مثل قوله:« فقبحاً لكم وترحاً، حين صرتم هدفاً يُرمى، وفيئاً ينتهب».

ـ اتسم الإمام عليّ (ع) بالوضوح في التعبير، وبأسلوبه الصادق، فيصف تابعيه في صدق دون تمويه، ويصف نفسه وحاله دون غموض.

ـ تراوحت الجمل بين الطول والقصر، وتقصر أحيانًا لتوضح المعنى بسرعة، وتطول أحيانًا أخرى لإقرار المعنى في نفوس المستمعين.

ـ توسل الخطيب في خطبته بالمقابلة فهو يقابل بين جِدِّ خصومه في باطلهم، وتهاون أصحابه في حقهم، وذلك في قوله:« فيا عجبًا من جدِّ هؤلاء القوم في باطلهم وفشلكم عن حقكم»، كما يعمد الخطيب إلى الطباق في عبارات متتالية: «يُغَارُ عليّكم ولا تُغَارون، وَتُغزَون ولا تَغزون، وَيُعصى الله وَترُضون».

ـ لم تخل الخطبة من السجع الذي ورد عفو الخاطر دون قصد أو تعمد، كما في قوله:«يا أشباه الرجال ولا رجال، ويا أحلام الأطفال، وعقول ربات الحجال»، ومثل قوله:« لقد مارستها وما بلغت العشرين، وقد نَيّفتُ فيها على الستين».

ـ وردت في الخطبة بعض الصور الخيالية،كما في قوله:«واتخذتموه وراءكم ظهرياً»، وفي ذلك كناية عن عدم اهتمامهم بما يقول، ونجد الخيال أيضاً في قوله:« ألبسه الله ثوب الذّلة» فهذا تصوير استعاري.

ـ عمد الخطيب إلى الإطناب في خطبته لتأكيد المعاني في نفوس المستمعين، وهذا ما نجده في قوله:«ألبسه الله ثوب الذّلة، وشمله البلاء، وألزمه الصِغار، وسيم الخسف، ومنع النُصف»، وهذه الجمل كلها تؤكد على المصير السيئ الذي سيلقاه من يعزف عن الجهاد.

ونلاحظ الإطناب أيضاً في قوله:«معرفة والله جرت ندماً، وورثت صدري غيظاً، وجرعتموني الموت أنفاساً»، فَكُلَّها جملٌ تؤكد على معنى الحسرة والندم والأسف التي أصابت الإمام عليّ بن أبي طالب (ع)، من الحال التي آل إليها أهل الكوفة في شأن تخاذلهم أمام الخصوم والأعداء.

النموذج الرابع ـ من كلماته

التي تجري مجرى الأمثال:

كان أساتذتنا (عليّهم رحمة الله) يوصوننا في شبابنا أن نحفظ كلمات الإمام عليّ بن أبي طالب (ع) الفصيحة البليغة والتي تجري مجرى الأمثال، حتى نتمكن من الكلام الجيد الواضح وكذلك من الكتابة السليمة البليغة، ونذكر من كلماته التي ما زلنا نحفظها ونرددها:

ـ «منهومان لا يشبعان: طالب علم وطالب مال».

ـ «عاتب أخاك بالإحسان إليه، واردد شره بالإنعام عليّه».

ـ « إذا أقبلت الدنيا على امرئ أعارته محاسن غيره، وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه».

ـ « آلة الرياسة سعة الصدر».

ـ ومن وصاياه أنه أوصى ابنه الحسن o فقال:« يا بُني احفظ عني أربعاً، لا يضرك ما عملت معهن: أغنى الغنى العقل، وأكبر الفقر الحمق، وأوحش الوحش العجب، وأكرم الحسب حُسن الخُلق».

الخصائص الفنية لأدب

الإمام عليّ (ع):

عندما ندرس أدب الإمام عليّ بالذات ما ورد في كتاب: (نهج البلاغة)، ونقوم بتذوقها، يمكن لنا أن نلاحظ الخصائص التالية:

1 ـ ملاءمة أدبه للموقف الذي يلقى فيه، يلين بلينه، ويشتدُّ بشدّته، ويكون فيضاً من النور والهدى، حين يمسُّ ناحية التوجيه الديني، ويعالج نواحي السلوك في الحياة.

2 ـ كان أدب الإمام عليّ بن أبي طالب (ع) وعاء وسع جوانب مُتعددة تنبعث من ثقافة راقية شاملة ، ففيها الإشارات التاريخية، والحِكَم، والأمثال، والوصايا، والشعر الأصيل.

3 ـ جاء أدب الإمام عليّ بن أبي طالب سيّد الخطباء (ع) مرآة صادقة لنفسه وحياته ومثله وعصره الذي عاش، مصوّراً لها أصدق التصوير.

4 ـ ظهر في أدب الإمام عليّ بن أبي طالب (ع) تأثره الواضح والشديد بالقرآن الكريم، والحديث النبوي المطهّر، وكان ذلك يبدو في روح التعبير واتجاهه، وفي الاقتباس من آيات الذكر الحكيم، وأحاديث النبيّ الأمين (ص).

5 ـ تميز أدب الإمام عليّ بن أبي طالب (ع) بدقة اختيار اللفظ الواضح القوي المُعبّر، والتراكيب الصافية المحكمة النسج (الجذلة)، وقُوةً الجرس، مع كثير من الصور البلاغية الصادقة العفوية التي تزيد كلامه قوة وتأثيراً، وتصدر عن فطرة صافية، لا تَكَلّف فيها، ولا تعسّف، ولا تعمل ولا استكراه.

والله تعالى ولي التوفيق.

 

 

الهوامش:

(1) الجاحظ ،«البيان والتبيين» ، 2 / 53 – 55.