ذكرى الإمام الحسين(ع) وحاضر المسلمين
للعلاّمة السيّد علي فضل الله
بمجرد انتهاء معركة كربلاء، بدأ الأمويون.. وكلّ من سار في فلكهم العمل على طمس معالم آثارها.. وإخفاء معالمها، والباسها ثوب الشرعية أو تبريرها.. واستخدموا لذلك كلّ الوسائل: الأبواق، والكتّاب وحتى الفقهاء، هذا الى جانب الترهيب في كمّ الأفواه المعترضة والناقمة على ما جرى للحسين وأصحابه.
كان الأمويون يعتقدون أنّ هذه الفاجعة ستُطوى صفحتها بمجرد أن تدفن الأجساد الطاهرة الشاهدة على جرائمهم وستزول معالم قبورهم وتساهم الأيام بنسيانها... لكنّ الأمر لم يحصل، فقد بقيت هذه الفاجعة حاضرة في العقول والقلوب والضمائر.. وحُفِظت شعاراتها وبطولاتها وتضحياتها وصارت عنواناً للثورات، بغض النظر عن نجاحها او فشلها ،وشكّلت في الوقت نفسه إلهاماً وقيمة انسانية كبرى ،للاعتراض على كلّ ظلم وجور وطغيان.. وصارت رمزا لكلّ إصلاح وتغيير..
لقد ساهمت كلمات السيدة زينب ومواقف الإمام زين العابدين ونساء كربلاء وحتّى أطفالهم، خلال مرحلة السبي وبعد ذلك في المدينة، في إثارة أجواء الحزن والوعي لعدم طمس جريمة الحكم الاموي وقول زينب (الواثق بالله) ليزيد بن معاوية: «كد كيدك واسع سعيك فإنّك والله لن تمحو ذكرنا ولن تميت وَحْيَنا». اطلقتها زينب ومن هناك شقت مسيرة احياء كربلاء طريقها..
وتابع هذا الأمر أئمة أهل البيت(ع).. حيث حرصوا على أن يقوموا بأنفسهم وحسب ما توافر لهم من ظروف على إحياء ذكرى عاشوراء.. وإظهار حزنهم.. ودعوة الشعراء إليهم لنظم قصائد حزينة تثير الشجى والاسى على فلذة كبد علي وفاطمة وآل بيته وأصحابه .. وعمل الأئمة على تحفيز شيعتهم والموالين لهم على إحياء هذا الأمر في بيوتهم وأماكن اجتماعهم وإظهار حزنهم..
لقد شهد إحياء عاشوراء لدى اتباع اهل البيت مراحل عديدة وأشكالاً مختلفة حتى في أشدِّ الأوقات حراجة .. وسيطر شعر المراثي والنعي على أساليب الاحياء ، والتي كان أصحابه لا ينسبونه لأنفسهم بسبب الخطر وعُرفوا يومها «بشعراء الجن»..
المهم أن الإحياء لم يتوقف أبداً.. ولعل في التعبيرات السرية ما هو عفوي وطبيعي ومليء بالشجن والمشاعر الفياضة بعيداً عن الاستعراضات العلنية والشكلية والمسرحية التي دخلتها مراسم عاشوراء في مراحل لاحقة. وخاصة مرحلتنا حيث دخل احياء عاشوراء مرحلة تصنيع وتمهين (مهنة) بعيداً عن التلقائية والعفوية التي كنا نشهدها أيام قبل.
ومن الطبيعي، كشأن اي ارتباط بمسألة أو حدث ممتد في عمق التاريخ وعمق وجدان الناس، فإن التعبيرات عنه تختلف في كل مرحلة وان لم يكن اختلافا جذرياً.. إنما من الطبيعي أن تتأثر هذه التعبيرات والاحياءات بالعادات الثقافية، وبالانماط السائدة للتعبير عن الحزن والمآسي لدى هذا الشعب أو ذاك ..
وهو لأمر مستحسن، بأن ينسجم كل مجتمع مع نفسه بطريقة تعبيره وبالسياقات القائمة لديه… وهذا يشكل غنى وتنوعاً لمراسم احياء عاشوراء.
لهذا من الطبيعي ان يضيف كل مجتمع لعاشوراء في شكل مراسمها حسب ما يلبي حاجاته العاطفية، ويحقق لها المقبولية.. دققوا في الأمر فسرعان ما تكتشفون أن تعبيرات الحزن والنواح وتعبيرات الصوت والجسد وحتى شدة الحزن والاستغراق فيه، تختلف من مكان الى آخر أو بين الشرق والغرب وبين العرب وغيرهم.
لقد كان للخيال الشعبي دوره في اكساء نواة مراسم عاشوراء من عندياته.. وما يثبت ذلك، هو، هذه التوسعة للاحداث، ممتدة على عشرة أيام، وحتى للأربعين أو آخر صفر. فيما كلنا نعرف ان عاشوراء حدثت في ساعات قليلة وسريعة.. والمادة التي يتم تقديمها، من المؤكد أنها عبارة عن إضافات.. ولنسمها إضافات بحسن نية وإبراء للذمة...
ما قصدت قوله أيّها الاعزاء، هو أن ما حدث في كربلاء ثابت ولا يمكن النقاش فيه: أهداف الحسين… استشهاده.. شعاراته.. ومنطلقاته.. والقيم التي رسختها عاشوراء كالصبر والتضحية والثبات والشجاعة وحب الله. كما أنّ المشكلة ليست في التعبيرات عن هذه الذكرى التي نرى ان من الضروري ان تتنوع وتتبدل، ولكن المشكلة هي في أن تصبح هذه التعبيرات مقدسة بحيث، لا يمكن المساس بها أو نقاشها.. والمشكلة الاكبر هي عندما تحرف هذه الاساليب عاشوراء عن مسارها... فتصبح مقولة ما، (خرجت صدفة أو استعارها أحد الخطباء وأدخلها في مجلسه رغبة منه في إثارة العاطفة)، بمثابة جزء لا يتجزأ من مراسم عاشوراء.. ويصبح النقاش في أَشعار قديمة لا تمت حتى لغة، الى الحاضر، هو من المحرمات.. فيما أصبحت هذه الاشعار كليشيهات جامدة، مكرورة، أبعدت الحيوية عن إمكانية اغناء عاشوراء بكل فيض جديد.
وكذلك الامر في الروايات والسيرة: مثلاً وجود أم علي الأكبر، يُبنى عليها مقاطع ومشاهد وأحداث وبعد ذلك يأتي من يؤكد من الباحثين الغيورين أن ليلى أم علي الأكبر لم تشهد كربلاء فتُحدث صدمة ويفقد المجلس مصداقيته... وهكـــــــذا عـــــرس القاســـم وغيره من الكلمات التي تنسب للحسين كقوله للاعداء: «اسقوني شربة ماء» والتي تخل بصورة الإمام الحسين أو بخط أهل البيت الذين في حياتهم لم يعيشوا الذل او الشخصنة او الفردية او قلة الصبر..
لهذا ايها الاحبة ، ورأفة بعاشوراء من الضروري أن تتم مراجعة مضامين الاحياءات ،وخاصة كلما امتد الزمن وبعدنا عن الحدث. لأنه يخشى أن يتسرب إلى عاشوراء ما هو ليس منها أو مناقض لها.. والمراجعة المطلوبة هي ليست للحدث نفسه ولا لمأساويته وبشاعته وفظاعته إنما هي لمفردات الاحياء والتي هي بشرية وغير معصومة.. ولا يخافن احد أو يخشى على عاشوراء من ذلك..
ومن المعلوم ان المراجعة رافقت مراحل احياءات عاشوراء طوال التاريخ مثلاً من العصر الحديث، السيد الأمين كتب مؤلفه «التنزيه لأعمال التشبيه» لتهذيب مظاهر العزاء ونقد التطبير، وأيضاً هناك الميرزا حسين النوري صاحب «مستدرك الوسائل» الذي ألّف كتابه «اللؤلؤ والمرجان» ونظر فيه لضرورة توفّر شرطين أساسيين في قرّاء العزاء قبل ارتقائهم المنبر تهذيباً لأدائهم فوضع في الدرجة الأولى شرط الإخلاص وفي الثانية شرط الصدق كاشفاً من خلاله عمّا يتلبد خلف الستار من رياء وكذب. طبعاً وهناك الشهيد مطهري في كتابه «الملحمة الحسينية» الذي أضاء فيه على عدّة من مغالطات قرّاء العزاء التاريخية، والسيد فضل الله في إصداره فتوى بحرمة التطبير وضرب السلاسل وأذية الجسد، لما فيه من إيذاء غير مبرر وإساءة لثورة الحسين وأهدافها ورموزها.. ثم السيد الخامنئي الذي له أيضاً فتواه في هذا الخصوص.
ومن المؤسف، كما من الافلاس ان يواجَه كل من يدعو لهذه المراجعة بالاتهام والتشكيك في عاطفته وولائه ومحبته، علماً أن من ينقد نقداً علمياً موضوعياً هو احرص على عاشوراء من غيره.. ولكن العصبية والجهل يعميان العيون...
وبما اننا في صرح تربوي لا بد ان نذكّر ان المراجعة ضرورية من ناحية تربوية، لأنه سيأتي جيل ويطرح تساؤلات ولن يجد الاجابات. ولا يمكن الاكتفاء بالقول له ان هذه منطقة مقدسة لا تُمس.. هذا لن يُقنع اجيالنا المفتوحة على كل الآراء والأفكار والابحاث ونحتاج ان نزودهم بإجابات منطقية...
وحقيقة الأمر، ايها المواسون وايها الموالون لآل البيت، أن ما يحتاج إلى المناقشة هو ليس المُخْرجات او النتائج انما هي مجرد مؤشر، انما ما يحتاج للنقاش هي القواعد التي تقف خلف هذه الاشكالية والتي أوجز بعضها في ثلاث نقاط سريعة:
أولاً: تعميم قاعدة التسامح الواردة في أدلة السنن لتشمل القضايا التاريخية والفكرية والعقيدية.. وهذا التسامح وعدم التدقيق ساهما في إدخال عدد من المفاهيم والأفكار المغلوطة في قضايا كثيرة، بعضها حساس كموضوع الامام الحسين والذي يستلزم تدقيقاً تاريخياً وبحثاً معمقاً لأهميته وأثره في وجدان الناس...
ثانياً: تطبيق القاعدة (الميكافيللية): «الغاية تبرّر الوسيلة..» (فكَوْن الغاية هي التعبير عن العاطفة للحسين وابراز عاشوراء، فلا مانع من الإضافات والاسترسالات.)
واذا واجهت اصحاب هذا المنطق بنصوص عدم جواز الكذب اجابوك بأنَّ هذه النصوص تجري عندما يكون الكذب على اهل البيت وليس لهم او لصالحهم (عندها الكذب لا مشكلة فيه).. ومثل هؤلاء من كان يضيف في أحاديث ثواب قراءة سور القرآن ويعلل ذلك بالقول: إنّي رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن فوضعت الأحاديث لتحبيب الناس بكتاب الله.. وهذا، أيها الاحبة، غلو وهو مرتبة عليا من مراتب الكذب.. وقد حذر منه الأئمة خصوصا بشكل واضح وصريح، ثم ان هذا الغلو هو من سهّل بروز قاعدة «كلّ شيء ممكن على أهل البيت(ع)» نظراً لموقعهم عند الله... وجرت القاعدة للاسف من دون ضوابط علمية.
والنقطة الثالثة: والتي شكلت مصدراً للإضافات غير الواقعية هي التوسع في دائرة لسان الحال، وكأني به يقول، والتي سببت خلطاً ما بين لسان حال فعلي للامام أو غيره من شخصيات عاشوراء، وبين أن يكون اللسان هو لسان حال الخطيب باسقاطاته العاطفية والثقافية والنفسية. وحتى قد يكون هو لسان حال المجتمع وانعكاساً لذوقه وما يطلبه..
(ولا بد هنا من عدم التقليل من الضغط الذي يمارسه الجو الشعبي على الخطيــب الحسيني.. والذي قد يدفعه.. لتلبية حاجاته بمدّ الجمهور بجرعات عاطفية وغيبية، مما قد يبعد السيرة عن صفائها المطلوب..)
أيّها الأعزاء.. إن الشعيرة هي العلامة.. وعلى هذا فالشعائر الحسينية هي العلامات التي تعبر عن الحسين (ع)، وتظهر صورته الحقيقية، واهدافه. هي القالب الذي سيحمل مضمونا قيمياً، وسياسياً وايمانياً.. فان ضاق القالب على المضمون اتجهت تأثيراته الى مكان آخر: دخلنا في العصبية (وشد العصب) او المذهبية والتمذهب وما الى هنالك.. واذا تناسب القالب مع المضمون وتمكن ان يظهره بشكله الصحيح بلغ التأثير مداه.. وانتجت لنا الشعائر الكربلائية في كل مرحلة نماذج من الحسينيين، الكربلائيين، الجهاديين الذين يحاكون في سلوكهم ومواقفهم الحسين واصحابه واهل بيته.
ـ أيّها المواسون.. لا نريد للحسين.. أن يتحوّل فينا إلى شخص نذرف الدموع لحسابه، بل إلى إمام نقتدي به ونستلهم مواقفه..
ـ لا نريد لعلاقتنا بالحسين ان تتمحور فقط حول ما أصابه رغم عظم ما أصابه، بل أن نحدق دائماً لماذا أصابه..
ـ لا نريد لذكرى الحسين، أن تكون ذكرى تستعير لغتها من التاريخ وتتحرك في التاريخ بل نريدها سلوكاً عملياً ينتمي الى الحاضر يتحول عملاً وخيراً وتضحية من اجل النهوض بالانسان بشكل راق وحضاري كأعلى ما يكون التعبير..
ـ نريد لذكرى الحسين أن تستدر منّا المواقف تلو المواقف في السياسة والاجتماع والدين، بموازاة استدرارها لدموع تذرف بحرقة وأسى.. تعالوا نرفق كل دمعة بتغيير في سلوك او موقف وفق شعارات مدرسة الحسين.
ـ نريد لذكرى الحسين في عاشوراء ان لا تكون معزولة بل ان نربطها بجذورها الممتدة الى القرآن الكريم وإلى رسول الله لتبقى عاشوراء عنواناً من عناوين الوحدة الإسلامية. عنواناً تهتدي به الإنسانية..
لقد استطاعت عاشوراء ايها الاحبة، عندما وصلت إلينا، بدموعها وعنفوانها وقراءاتها وأفهامها ونقدها ومراجعاتها.. أن تصنع لنا الكثير.. في ثورة إيران، ومقاومة لبنان وفلسطين.. وزرعت بذور أمل في نفوس عشاق آل البيت، لا بد وان تثمر ان احسن رعايتها وسقايتها.
إنها بوصلة لا تخيب ابداً… من يمم وجهه شطر الحسين وعرفه حق المعرفة فاز في الدنيا لانه تزود بانموذج يقيه الذل والخيبة، وفاز في الآخرة بحب الله: «حسين منّي وأنا من حسين أحب الله من أحب حسيناً».
جعلنا الله واياكم من المحبين العارفين والمحبين العاملين، والمحبين الواعين.. وعظم الله اجوركم واجورنا.
والسلام على الحسين وعلى اصحاب الحسين وعلى أهل بيت الحسين والمستشهدين في أرض كربلاء.