لماذا الدين؟

25/6/2018
العدد الرابع والثلاثون -أيار -2018

رئيس التحرير

أ ـ فطرة التدين

حكاية الدين رافقت الإنسان منذ وجوده الأوّل على ظهر الأرض، حيث نرى أنّ جميع العلوم التي تبحث عن آثار الشعوب القديمة، وفي حضاراتها، ولغاتها لاحظت وجود المعابد في المدن الرئيسة. كما لاحظت أنّ للعقائد الدينيّة الدور الكبير في تاريخ الإنسان في الحرب والسلم والولادة والزواج والوفاة وغير ذلك من قضايا الفرد والمجتمع.

وفي أواخر القرن العشرين إستطاع الإنسان تسخير الفضاء وإختراق الغلاف المحيط بالكرة الأرضيّة وتجاوزه إلى القمر وإلى بعض الكواكب الأخرى القريبة من الأرض.

غير أنَّ الإنسان وقف عاجزاً عن معرفة أمور أخرى كان أهمها أسئلته عما وراء الطبيعة والحياة؟

وعن الموت وأسراره، وعن الحياة بعد الموت؟ وعن الغاية من وجود الإنسان على ظهر هذه الأرض وغيرها من أسئلة؟.

وقد حاول الحكيم بوذا وتلاميذه في الهند والصين تجاهل هذه الأسئلة بالتنكر والإعراض عن وجود الله تعالى والإيمان به وعبادته. والتوجه نحو التسامي الروحي بقهر الجسد وحاجاته الطبيعيّة بالصوم والصلاة والرياضة. ولكن تلك الأطروحة فشلت في ما بعد فشلاً ذريعاً، حيث تحوَّل بوذا عند أتباعه ومريديه بعد زمنٍ قليلٍ إلى معبودٍ مقدّسٍ كما تحوّلت تعاليمه الأخلاقيّة إلى كتاب مُقدّس. وكذلك كان الحال بالنسبة إلى الحكيم كونفوشيوس وتعاليمه في الصين.

ب ـ مع الأطروحة الماركسية

كما حاولت الأطروحة الماركسيّة في القرنين التاسع عشر والعشرين تجاهل الأسئلة الآنفة الذكر، بالتنكر والإعراض عن وجود الله والإيمان به وعبادته. وعن دور الدين في التربيّة والأخلاق وعن الموت وأسراره، وعن الحياة بعد الموت. متوجهةً نحو تعزيز دور الطبقة العاملة في المجتمع وجعل القرار الأوّل والأخير لها وتفسير الدين من خلال المنطق الديالكتيكي. حيث زعم كارل ماركس أن الدين كان أفيوناً للفلاحين والعمال سلّطه عليهم رجال الدين والإقطاع حتى شغلوهم به عن المطالبة بحقوقهم الشرعيّة في الحياة وعن الحكم والحكومة.

ولكن أطروحتهم فشلت في ما بعد فشلاً كبيراً حيث تحوّل ضريح لينين في موسكو إلى دار للعبادة يحجُّ إليه مريدوه وعشاقه من شتى بقاع الأرض، كما تحوّلت أقوال كارل ماركس، ولينين، وانجلز عند غُلاة الماركسيّة إلى دين يُدان به ويُتعبد له، غير قابل للحوار أو النقاش.

كما أنّ الطبقة العاملة لم تكن الحاكمة في أي يوم في البلاد الشيوعيّة، كما أراد ذلك كارل ماركس أو انجلز أو لينين، وإنّما حكم بإسمها بعض السياسيين أو العسكر وحولوا الحكم إلى قمع وتجسس ومصادرة حريات وأموال في ظلال حكومات ديكتاتوريّة.

كما نلاحظ أيضاً بقاء الشعوب المَغلوب على أمرها من قبل الماركسيين على إيمانها بالله تعالى وبالمثل العليا للدين في الإسلام والمسيحيّة وممارستها للعبادات والطقوس الدينيّة في السرِّ والعلن كما قدّموا مئات الشهداء حفاظاً على إيمانهم وهذا يدلُّ إن دلَّ أنَّ الإنسان مفطور على التّديّن. فالتّديُّنُ نزعة فطريّة. وجدت في تاريخ الإنسان وحاضره ومستقبله ويظهر ذلك من خلال إهتمامه بالغيب وبعلوم الفلسفة الدينيّة والمنطقيّة، وبحثه عن أسرار الخلق، وتطلُّعه إلى عالم الآخرة. وعن الأمن والسعادة في الدُّنيا والآخرة.

إنَّ معظم النّاس على إختلاف أجناسهم وخلفياتهم يدركون بعقولهم وقلوبهم أنَّهُ توجد قوة مُنظّمة، في هذا الوجود غير محدودة، تمسك بالكون وتهيمن على وجوده وهي قوة الله تعالى مصداقاً لقوله تعالى:}فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ{ سورة الروم، آية 30. وتظهر فطرة التدين والرجوع إلى رحمة الله تعالى عندما يواجه الإنسان المصائب والنكبات والخوف على مصيره أو مصير أقربائه مصداقاً لقوله تعالى: }وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ{ سورة يونس، آية 12.

ج ـ مع العقل والعلم

القرآن الكريم حثَّ على التفكر والتدبر في خلق الله تعالى على العلم والتعلّم في أولى الآيات التي أُنزلت على قلب رسول الله w، بقوله تعالى:}اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ{ سورة العلق، آية 1ـ2ـ3ـ4ـ5.

والحديث عن الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التي حثت على التفكر والتدبر في خلق الله تعالى وعلى العلم والتعلم كثيرة. وقد نوه القرآن الكريم والسُنّة الشريفة من شأن العلماء وطلبة العلوم الّذين يسلكون طريق التجربة والبحث والإستدلال سعياً وراء الحقيقة ويأمرون بالعدل وبالمعروف وينهون عن المنكر لوجه الله تعالى، وينبذون حُبَّ الدنيا والعصبيّة والطائفيّة ويقتدون بسلوكهم وأخلاقهم بالنبيّ مُحمّد والسيّد المسيح o، حيث جعلهم ورثة للأنبياء وحملة للأمانة شرط ابتعادهم عن الرشوة في الحكومة بين النّاس والفساد في الأرض أي كانوا مصداقاً لقول الله تعالى:} لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيراً وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً{ سورة النساء، آية 123 ـ 124.

حيث يتبيّن لنا أن تنكّر كارل ماركس ورفاقه في أوروبا للدِّين كان من خلال رؤية وسلوك رجال الدين للحياة، وسكوتهم عن الظلم والجور.

هذا وللدين ثمرات وفوائد كثيرة في حياة الأمم والشعوب إن أقام النّاس العدل والإحسان والتراحم بينهم من خلال العقل والعلم وافشوا الرحمة والتسامح والمحبة والعدل بينهم مصداقاً لقول الله تعالى بالقرآن الكريم: }إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ{ سورة النحل، آية 90 ـ 91.

د ـ من وصايا محمد رسول الله w.

أخرج صاحب كتاب «تحف العقول» في كتابه عدّة وصايا لرسول الله w، أوصى بها الإمام عليّ بن ابي طالب t، منها قوله:[« إِنّه لا فَقْرَ أَشَدُّ مِنَ الْجَهْلِ ، وَلا مَالَ أَعْوَدُ مِنَ الْعَقْلِ، وَلا وَحْشَةَ أَوْحَشُ مِنَ الْعُجْبِ، وَلا مُظَاهَرَةَ أَوْثَقُ مِنَ الْمُشَاوَرَةِ، وَلا عَقْلَ كَالتَّدْبِيرِ وَلا حَسَبَ كَحُسْنِ الْخُلُقِ، وَلا وَرَعَ كَالْكَفِّ عَن المًحارِمْ، وَلا عِبَادَةَ كَالتَّفَكُّرِ ».

يَا عَلِيُّ: عَلَيْكَ بِالصِّدْقِ وَلاَ تَخْرُجْ مِنْ فِيكَ كَذِبَةٌ أَبَداً وَلاَ تَجْتَرِئَنَّ عَلَى خِيَانَةٍ أَبَداً وَالْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ كَأَنَّكَ تَرَاهُ وَابْذُلْ مَالَكَ وَنَفْسَكَ دُونَ دِينِكَ وَعَلَيْكَ بِمَحَاسِنِ الأَخْلاقِ فَارْكَبْهَا وَعَلَيْكَ بِمَسَاوِيء الأَخْلاقِ فَاجْتَنِبْهَا(1)».

إلى أن يقول w: في وصيّة أخرى:[« يَا عَلِيُّ:أَحسن خُلقك مع أهلك وجيرانك ومن تعاشر وتصاحبُ من الناس، تُكتب عند الله في الدّرجات العُلى.

يَا عَلِيُّ: ما كرهته لنفسك فاكرهه لغيرك وما أحببته لنفسك فأحببه لأخيك، تكن عادلاً في حكمك، مُقسطاً في عدلك مُحبباً في أهل السماء، مودوداً في صدور أهل الأرض إحفظ وصيتي إن شاء الله تعالى(2)»].

والوصايا الآنفة الذكر، تأمر بالعلم والتعقّل والتشاور وَحُسن التدبير وَحُسن الخُلق والأمانة والوفاء وطلب مكارم الأخلاق والإتصاف بها، وان ما تكرهه لنفسك فاكرهه لغيرك والعدل في كل شيء والمحبّة والمودة بين النّاس. وخوف الله تعالى من وراء ذلك وطلب رضاه وبذلِّ المال والنفس في ذلك. وتأمر أيضاً بترك الجهل وسوء الخلق والكذب والخيانة والإعجاب بالنفس، والعداوة بين النّاس ونقض العهود والمواثيق. هذا وبعد، فخَيرُ جواب عن هذا السؤال نجده من خلال أطروحة الأديب اللبنانيّ الكبير الأستاذ جورج جرداق في موسوعته «الإمام عليِّ صوت العدالة الإنسانيّة» حيث قارن بين الإمام عليِّ وسقراط، وبين الإمام علي والثورة الفرنسيّة. وبين الإمام عليّ وفلاسفة الأخلاق وحقوق الإنسان في الماضي والحاضر. كما أنَّ صديقنا الأديب الدكتور بديع أبو جودة حاول الإجابة عن ذلك في مقالته بموضوع غلاف هذا العدد تحت عنوان:« الإمام عليّ المعلم والمُربي» فراجع. وذلك لأنَّ شخصيّة الإمام عليِّ t، خلقها الله تعالى وصاغها النبيُّ مُحمّدw، والقرآن الكريم.

وبعد فإنّ سلوك الإنسان المؤمن بالدّين والعامل به من خلال الوصايا الإلهية والقرآن الكريم والسُنّة الشريفة ضمانة لحقوق الإنسان وكرامته في الدنيا والآخرة. وإقتداء بسيرة عظماء الإنسانيّة.

 

 

الهوامش:

(1) «تحف العقول عن آل الرسول w»، إبن شعبة الحرّاني، ص13 ـ مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت، الطبعة السادسة 1996م. 1417هـ.

(2) نفس المصدر، ص 19.