موقف الإمام عليِّ (ع) من تطرف الخوارج

15/4/2016
العددان الثلانون والواحد والثلاثون ايلول-2017

رئيس التحرير (1)

إنَّ أوّل تطرف حصل في صدر الإسلام كان من الخوارج الّذين خرجوا على أمير المؤمنين الإمام عليِّ بن أبي طالب (ع)، أثناء معركة صفين بين الإمام عليِّ وأهل العراق وأهل الحجاز ومن شايعه من المسلمين من جهة وبين معاوية بن أبي سفيان وأهل الشام من جهة أخرى. وسموا بالحروريّة نسبةً إلى حروراء التي خرجوا إليها. جاء في الموسوعة العربيّة العالميّة عنهم: ويعتقد الخوارج أنّهم من الناحية الدينيّة يمثلون الفئة القليلة المؤمنة التي لا تقبل في الحقِّ مساومة، وأن زعماءهم من جماعة القراء والفقهاء هم الحريصون على الإلتزام بالكتاب والسُنّة دون مواربة أو تأويل.... إلى أن قال:[ حُبُّ بعضهم للجدل والمناقشة ومذاكرة الشعر وكلام العرب، وغلبة التعصب على جدلهم، وعدم التسليم للخصوم بحجة، وعدم إقتناع بعضهم بفكرة تخالفهم مهما كانت قريبة من الحق أو واضحة الصواب. والخوارج يعدون مُرتكب الكبيرة كافراً (2)  ].

قال العلاّمة سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص:[ ولما خرج عليّ ، لقتالهم وقف بإزائهم وقال: من زعيمكم قالوا: ابن الكواء. فقال عليٌّ: فما الذي أخرجكم علينا؟ قالوا: حكومتكم يوم صفين. فقال لهم: ناشدتكم بالله أمّا قلت لكم يوم رفعوا المصاحف لا تخالفوني فيهم. قلتم نجيبهم إلى كتاب الله. فقلت إنّما رفعوها مكيدة وخديعة. فقلتم إن لم تُجب إلى كتاب الله قتلناك أو سلمناك إليهم فلما أبيتم إلاّ الكتاب اشترطت على الحكمين أن يحكما بكتاب الله فإن حكما بغير حكم الله والقرآن فنحن بَراءٌ منهم. فقالوا كيف حكّمت الرجال فقال: والله ما حكمت مخلوقاً وإنّما حكّمت القرآن لأنّ القرآن إنّما هو خط بين الدفتين لا ينطق وإنّما ينطق به الرجال. فقالوا صدقت وكفرنا لمّا فعلنا ذلك وقد تُبنا منه إلى الله فَتب كما تبنا نبايعك وإلاّ قاتلناك. فقال ، كما في رواية أخرى: ويحكم أبعد ايماني برسول الله وجهادي معه في سبيل الله وهجرتي أشهد على نفسي بالكفر  لقد ضللتُ إذن وما أنا من المُهتدين !(3).

والحديث عن موقف الإمام عليّ (ع)، منهم حديث طويل حيث نراه (ع)، عاملهم كمسلمين وأقام الحجة عليهم تلو الحجة من القرآن والسُنَّة والعقل وأرسل لهم عبدالله بن العباس يحتجُّ عليهم. وقد اهتدى القسم الأكبر منهم ورجع إلى الجماعة وبقي الثلث منهم على ضلالهم. والحديث عن ذلك سوف نوجزه بما يلي:

1ـ « لا حكم إلاّ لله»

وهذه الكلمة كانت شعار الخوارج وعندما سمع الإمام عليّ (ع)، هذه الكلمة قال (ع): كلمة حقٍّ يُرادُ بها باطل. نعم إنّه لا حُكم إلا لله، ولكن هؤلاءِ يقولون، لا إمرة إلاّ لله: وإنّهُ لا بُدّ للنّاس من أمير برِّ أو فاجرٍ. يعمل في إمرته المؤمن، ويستمتعُ فيها الكافر، ويبلغُ اللهُ فيها الأجل، وَيُجمع به الفيُّ، ويقاتل به العدو، وَتُأمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي حتى يستريح به بَرُّ، وَيستراحُ من فاجر  (4).

أي أن المجتمع أي مجتمع إنسانيّ لا بُدَّ له من نظام يرتكز عليه ومن أمير برِّ يحكم بحكم الله ويعدل بين النّاس بالحق. فإذا لم يكن فلا بُدَّ من أمير آخر يحفظ نظام المجتمع أي رئيس دولة حتى لا تَدُبَّ الفوضى في البلاد وَيفقد الأمن والأمان بين النّاس وتأمن به الطُرق والمواصلات ويدافع به وبحكومته عن الثغور والعباد والبلاد. وَيحفظُ موازنة الدولة واقتصادها ويدفع حقوق الجيش وحقوق النّاس وإلا كانت الفوضى والدمار والهلاك.

وأراد الإمام عليّ (ع)، بذلك أن لا ينخدع النّاس بالشعارات البرّاقة وينتبهوا ويفكروا بما وراء تلك الشعارات من أهداف.

2 ـ الإحتجاج على تجاوزات الخوارج

والشيء الذي يلاحظه القارئ لسيرة أمير المؤمنين (ع)، مع الخوارج أنّه لم يُكفّرهم ولم يمنعهم عطاءهم من بيت مال المسلمين ولم يمنعهم من حضور المساجد.

وفي البداية والنهاية لابن الأثير أنّ الإمام عليّ (ع)، كان يحاججهم بالقول:[ أنَّ لكم علينا ثلاثاً: ألا نمنعكم فيئاً ما دامت ايديكم معنا. والا نمنعكم من مساجد الله، وألا نبدأكم بالقتال حتى تبدأونا (5) ].

وعندما عاثوا في الأرض فساداً بقتلهم عبدالله بن خباب وفي عنقه كتاب الله ومعه امرأته وهي في الشهر الأخير من حملها بعد سؤالهم له عن عقيدته؟. ولم يوافقهم على رأيهم في تكفير عليّ وعثمان جروه إلى شاطئ النهر وذبحوه كما جاؤوا بزوجته فبقروا بطنها وذبحوها مع ولدها إلى جانبه وعاثوا في الأرض فساداً بعدها! إحتجّ عليهم. وممّا جاء في كلامه (ع): فإن أَبيتم إلاّ أن تزعموا إني أخطأت وضللت فلم تضللون عامّة أمة مُحمّد ، بضلالي؟ وتأخذونهم بخطأي، وتكفرونهم بذنوبي؟ (6).

حيث احتجَّ عليهم بقوله تعالى: وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى سورة الأنعام، آية 164.

أي أن المسلمين أصبحوا عندكم كفاراً بلا استثناء. تعالوا واقصدوني بنفسي ودعوا المسلمين وشأنهم!!. كما طلب إليهم تسليمه قتلة عبدالله بن خباب وزوجه ليقيم عليهم حدَّ الله.

فقالوا: كلنا قتلناه

قال سبط ابن الجوزي:[ عن ابن عباس: لما خرجنا إلى قتال الخوارج سمع عليُّ ، رجلاً منهم يتهجد بالقرآن! فقال: نوم على يقين خير من صلاة في شك. إذ أن قراءة القرآن الكريم والصلاة يتقبلها الله تعالى، من الإنسان الطاهر الذي لا يضمر السوء والشرِّ للنّاس أو يتربص بهم الدوائر ويتهمهم بالكفر!!.

وقال الشعبي: فلما فرغ أمير المؤمنين من الخوارج مرّ بهم وهم صرعى على النهر فقال (ع): بؤساً لكم لقد ضرّكم من غرّكم.

قالوا: ومن غرهم؟ . قال (ع): الشيطان ونفسٌ أمارةٌ بالسوء.

قال الواقدي: ووجد منهم أربعمائة رجل بهم رمق فأمر عشائرهم فحملوهم إلى الكوفة وقسمَّ ما قاتلوا به المسلمين من سلاح ثمَّ ردَّ العبيد والإماء والمتاع إلى أهلهم وأستأذنه عُدي بن حاتم في دفن إبنه طُرفة وكان قد خرج معهم فإذن له.

ثُمّ ارتحل إلى النخيلة فنزل بها ولم يقتل من أصحابه سوى سبعة (7)» ].

فكلام الإمام عليّ (ع)، مع الخوارج واحتجاجاته عليهم كانت مُنطلقةً من كتاب الله تعالى وسُنَّة رسوله w، ومن العقل السليم. وأمَّا أجوبتهم له فكانت الإعتراف بالحقيقة طالبين منه أن يتوب إلى الله تعالى كما تابوا لأنّه كفر كما كفروا!! إذ قالوا أن جميع المسلمين الّذين لا يرون رأيهم كفارٌ، كعبدالله بن خباب وزوجه!!

ونتيجة لما تقدّم فقد رجع منهم إلى جادة الصواب ومعسكر أمير المؤمنين قُرابة السبعة آلاف وبقي منهم خمسة آلاف أو أقلُّ على ضلالهم. وبعد أن قضى (ع)، عليهم في معركة النهروان ولم يبق منهم إلاّ سبعة هربوا. سمح لعُدي بن حاتم بدفن ابنه طُرفة. كما أمر بمعالجة أربعمائة جريح من خلال قبائلهم. وَارجع عبيدهم وجواريهم إلى ورثتهم. ولم يُعط جيشه من ممتلكاتهم إلا السلاح وما احتمله العسكر.

ومن خلال ما تقدّم نرى أن أمير المؤمنين (ع)، لم يُكفّر أهل البصرة وأهل الصفين كما لم يكفر الخوارج وإنّما طلب إليهم الرجوع إلى الجماعة حتى لا يكونوا بُغاة، كما لم يمنعهم رواتبهم ومخصصاتهم من بيت مال المسلمين ولم يمنعهم من دخول بيوت الله تعالى. ولكنهم عندما شقوا الجماعة الإسلاميّة بخروجهم وبغيهم وبقتلهم للأبرياء وبسفكهم للدماء وفسادهم في الأرض، طبّق أمر الله تعالى عليهم وهو قوله تعالى: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ الحجرات، آية 9.

كما أنّه أمر بمعالجة جرحاهم وأرجع جميع ممتلكات القتلى إلى ورثتهم عدا السلاح فقد صادره لمصلحة جيش المسلمين.

3ـ لا تحاربوا الخوارج بعدي

قال (ع): ( لاَ تُقَاتِلوا الْخَوَارِجَ بَعْدِي فَلَيْسَ مَنْ طَلَبَ الْحَقَّ فَأَخْطَأَهُ كَمَنْ طَلَبَ الْبَاطِلَ فَأَدْرَكَهُ. (يَعْنَي مُعَاوِيَةَ وَأَصْحَابَهُ).

قال الإمام الشيخ محمد عبده في شرح هذه الكلمة:[ الخوارج من بعده وإن كانوا قد ضلّوا بسوء عقيدتهم فيه إلا أنّ ضلّتهم لشبهة تمكنت من نفوسهم فاعتقدوا الخروج عن طاعة الإمام ممّا يوجبه الدين عليهم. فقد طلبوا حقاً وتقريره شرعاً فأخطأوا الصواب فيه، لكنهم بعد أمير المؤمنين يخرجون بزعمهم هذا على من غلب على الإمرة بغير حق، وهم الملوك الّذين طلبوا الخلافة باطلاً فأدركوها وليسوا من أهلها. فالخوارج على ما بهم أحسن حالاً منهم (8)  ].

والمطلوب هو معالجة تطرف الخوارج واشباههم بالحوار معهم وإلقاء الحجّة تلو الحجّة عليهم تماماً كما فعل(ع)، معهم. ولم يستعمل القوة معهم إلاّ بعد أن أفسدوا في الأرض وعاثوا فيها فساداً.

 

 

الهوامش:

(1) الكلمة لتي ألقاها الدكتور القاضي عمرو في مؤتمر «ربّانيون بلا حدود» في فندق كروان بلازا (الحمرا) ـ بيروت ظهر يوم السبت الواقع فيه 5 آذار 2016م.

(2) «الموسوعة العربية الميسرة» ، ج10، ص 181. الطبعة الثانية 1999م. الرياض المملكة العربية السعوديّة.

(3) «تذكرة الخواص» للعلاّمة سبط ابن الجوزي. ط. مؤسسة أهل البيت i، بيروت ـ لبنان 1981م. ص 96.

(4) «نهج البلاغة» شرح الشيخ محمد عبده، ج1، الخطبة 40، ص 82 ـ 83.

(5) «الندوة» للعلاّمة المرجع السيّد محمد حسين فضل الله (قده)، ج9، ص 272، بتصرف.دار الملاك، الطبعة الأولى 2002م.

(6) «البداية والنهاية» ج7، ص 282 و 285.

(7) «تذكرة الخواص» للعلاّمة سبط ابن الجوزي. ط. مؤسسة أهل البيت i، بيروت ـ لبنان ص 101 ـ 102.

(8) «نهج البلاغة» ج1، ص 96.