المواطن اللبناني بين القلق والأمل والرجاء

15/12/2014
العددان الثلانون والواحد والثلاثون ايلول-2017

بقلم: رئيس التحرير

أسباب القلق

أسباب القلق عند اللبنانيين في استقبالهم للعام الميلادي الجديد 2015م. كثيرة لا نستطيع تعدادها إلاّ من خلال بعض الأبواب التي تتفرع عنها أبوابٌ أخرى، منها: القلق على التربيّة والتعليم حيث أصبح التعليم في المدارس والمعاهد والجامعات التي تمتاز بتفوق ونجاح طلابها حكراً على أبناء الزعماء والأغنياء. ونتائج ذلك تُعرفُ من خلال فُرص العمل في شتى الحقول من قطاع عام وقطاع خاص. وأمّا الأعمال الصغيرة الأخرى التي يختارها اللبناني فاليد العاملة الأجنبيّة تكون هي المنافس الأوّل والأخير له، في غياب الرقابة الرسميّة ونقابات العمال الشعبيّة عن سوق العمل والعمالة.

القلق على السكن وقضاياه الكثيرة إذ أنّ اللبنانيّ الذي يريد أن يستأجر غرفتين مع مرافقهما الصحيّة في ضواحي المدن أو في القرى اللبنانيّة المجاورة للمدن الكبيرة مع تأمين المياه والكهرباء لهما مع الضرائب الأخرى المطلوبة منه للبلديّة وللجنة البناية مع تأمين المواصلات من وإلى عمله يستغرق 80٪ أو أكثر من دخله الشهري.

 

القلق من التلوث في المياه ومصادرها بسبب إهمال المصانع والمعامل والبلديات للقوانين المرعيّة الإجراء. وتقصير الدور الرقابي الرسمي في هذا الشأن.

القلق من قضيّة الكهرباء ومصادر الطاقة حيث لا نستطيع التقدم في شتى الحقول إلا بعد تأمين الكهرباء إسوة بالبلاد الصغيرة والفقيرة كجمهورية قبرص أو الجمهورية التونسية.

القلق من قضايا الطبابة والإستشفاء إذ لا يستطيع اللبناني الفقير غير المضمون أو المسجل ببعض الصناديق من تأمين إستشفائه إِسوة بسائر المواطنين.

القلق من الفساد في أجهزة الدولة الرسميّة ومؤسساتها حيث يدفع اللبنانيون كل عام أكثر من ثلاثة مليارات دولار أمريكي لتخليص معاملاتهم أو للتهرب من الضرائب المطلوبة منهم أو لمخالفة القوانين المرعيّة الإجراء.

القلق من الأعداد الكبيرة من اللاجئين السوريين في لبنان والعمالة غير الشرعيّة منهم ومنافستهم للعامل اللبناني الفقير على لقمة عيشه وتعليم أبنائه، وما سبب ذلك ويسبب من قضايا أمنية وإخلال بالأمن وبالوحدة الوطنيّة والديمغرافيّة اللبنانيّة كما زاد هذه الخروق الطلب من بعض الجهات السياسيّة إيجاد مخيمات مؤقتة لهم.

القلق من الأطماع الإسرائيلية في الأرض والمياه اللبنانيّة وفي الغاز والنفط وفي مياهنا الإقليميّة.

القلق من بعض المصطادين في الماء العكر من اللبنانيين، لا سيما بعض السياسيين ورجال الدين لإثارة النعرات الطائفيّة والمذهبيّة وتكفير النّاس وإصدار الفتاوى بحق مخالفيهم بالرأي. وتزوير الحقائق والقضايا التاريخيّة.

القلق من رغبة الشبان والشابات للهجرة خارج لبنان ومساعدة بعض السفارات الأجنبيّة لهم على ذلك بشكل عام وللمسيحيين بشكل خاص. والغرض من هذا أن يكون لبنان وطناً بديلاً للمعارضة السوريّة بعد فشل مخطط كيسنجر في الحرب اللبنانية المشؤومة من أن يكون وطناً بديلاً للفلسطينيين(1975 ـ 1990) وذلك بعد فشل المعارضة السوريّة على الأرض السوريّة!!!.

وأمام ما يلاقيه اللبناني من القلق للأسباب الآنفة الذكر ولغيرها من أسباب لا بُدَّ لنا من الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، حيث يقول عزّ وجلّ: }وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ{ سورة البقرة، الآية 186.

وقوله تعالى: }َمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ{ سورة آل عمران، الآية 101.

وقوله تعالى: }قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ{ سورة الزمر، الآية 53.

وقوله تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ{ سورة التوبة، الآية 119.

وقول رسول اللهP:[«من أحبَّ أن يكون أقوى النّاس فليتوكل على الله، ومن سرّه أن يكون أكرم النّاس فليّتق الله، ومن سرّهُ أن يكون أغنى النّاس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده)](1).

وقول أمير المؤمنين الإمام عليّ بن أبي طالبQ:[«الثقة بالله، وحسن الظنّ به حصن لا يتحصن به إلاّ كلّ مؤمن، والتوكل عليه نجاة من كل سوء، وحرز من كل عدوّ»](2).

وإنطلاقاً من ذلك وأمام هذا الواقع نقول: إننا كلبنانيين في هذا الشرق الغني بالتراث الفكري والحضاري، تجمعنا أمور كثيرة تتجاوز 90٪ أهمها ما يلي:

أولاً: إيماننا بالله الواحد مصدر الحبِّ والرحمة والخير والسلام لجميع النّاس الّذين يحترمون حقوق بعضهم البعض في الحياة الحرّة الكريمة ويأملون من الله تعالى أن يكون مستقبل أبنائهم العِّزة والكرامة والإبداع في هذا الشرق.

ثانياً: إيماننا بالمثل العليا للأخلاق التي أتى بها السيّد المسيح ورسول الله مُحمَّد(صلوات الله وسلامه عليهما) وأهمها: الوصايا العشر المقدسّة في التوراة والإنجيل والقرآن.

ثالثاً: إيماننا أنّ العدو الأكبر للوحدة الوطنيّة والعيش المشترك لكل لبناني في الوطن أو في بلاد الإغتراب هي إسرائيل الطامع الأكبر في أرضنا ومياهنا وثرواتنا القوميّة من نفط وغاز وغيره. والعدو الثاني هي الدعوات التكفيريّة التي لا تؤمن بالحوار والعيش المشترك بين النّاس وتراث الأجداد والتقاليد والعادات اللبنانيّة.

رابعاً: إنّ التنوع الطائفي والمذهبيّ والسياسيّ في لبنان هو مصدر قوة وغنى له. ومصدر إفتخار لنا على سائر البلاد العربيّة شرط أن يبقى داخل المسجد والكنيسة والبرلمان. وأمّا في الوظائف والإدارات فيجب أن يكون الميزان هو الكفاءة والصدق والإخلاص للعمل فقط لا غير. على أن تبقى وظائف الدرجة الأولى من نصيب الطوائف اللبنانيّة الكريمة كما نصَّ على ذلك ميثاق الطائف.

خامساً: الإستفادة من خبرة وتجارب اللبنانيين الناجحين في الحياة في شتى حقول المعرفة والعلوم الإنسانيّة سواء كانوا في لبنان أو في خارجه والأخذ بيدهم نحو المسؤوليّة من خلال الإنتخابات البلدية أو البرلمانيّة أو الوزارة أو الإدارة العامة. وأن يتحرر اللبنانيون من أبنائهم الفاشلين سياسياً وعلمياً. وأن لا يكون لهؤلاءِ دور في مستقبل لبنان أو في سياسته.

سادساً: الإستفادة من تجارب الشعوب الأخرى في الإستقلال وفي شقِّ طريقها إلى الحياة الحرَّة الكريمة بين أمم الأرض وإلى النزاهة ومحاربة الفساد. ولنضرب بعض الأمثلة على ذلك، فأجداد الشعوب الأوستراليّة كانوا حُثالةَ المجرمين والمحكوم عليهم بالإعدام في المستعمرات البريطانيّة، وعندما أرادوا الحياة الحرَّة الكريمة والنزاهة ومحاربة الفساد تحقق لهم ذلك.

وأمّا الشعب الألماني فقد دمرته الحرب العالميّة الثانيّة ولم تُبق له من رجاله وجيشه وَمُقدِّراته وثرواته الوطنيّة إلاّ القليل. كما أن الحلفاء استعمروا أراضيه وقسّموها بينهم وقيدوه بقيود كثيرة وفرضوا عليه فروضاً كثيرة من الذل والإبتزاز المالي، ومع ذلك إستطاع هذا الشعب النهوض من جديد حتى غدت المانيا في أيامنا هذه سيدة البلاد الأوروبيّة ومرجعها في النزاهة والإقتصاد وفي المعرفة والعلوم.

وأمّا الشعب الإيراني فقد أنهكه النظام الملكي البهلوي وجعل ثرواته نهباً للشركات الأمريكيّة والأوروبيّة والإسرائيليّة وقاعدة للجيوش الأمريكيّة في الشرق الأوسط. وجعل شبابه تحت سلطة تجار المخدرات وأصحاب الدعوات الصهيونيّة كالبهائيّة ومجاهدي خلق وفدائيي خلق وغيرهم. ومع ذلك استطاعت هذه الشعوب النهوض على يدي قائد الثورة الإسلاميّة الإمام السيد روح الله الموسويّ الخمينيّ{، من خلال الثقة بالله تعالى والتوكل عليه حتى غدت الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة في أيامنا هذه سيدة الدول الإسلاميّة في النزاهة والمعرفة والعلوم وفي الإقتصاد وفي حمل أطروحة الإسلام إلى العالم بأسلوب إستحقَّ الإحترام والتقدير بين جميع الشعوب والأُمم.

سابعاً: إن محبتنا لله تعالى وأملنا بنصره على القلق واليأس، ومحبتنا لوطننا العزيز لبنان، وحرصنا على المبادئ والمثل العليا للأخلاق في الإسلام والمسيحيّة وعلى الصفحات البيضاء المشرقة في تاريخ لبنان وفي تراث الآباء والأجداد وعاداتهم وتقاليدهم، يدفعنا للمزيد من الصبر والثبات وعدم الهجرة وترك لبنان وبالتالي الدفاع عن ترابه المقدّس والوقوف بوجه إسرائيل والجماعات التكفيريّة صفاً واحداً مصداقاً لقول العباس بن الأحنف:

تعبٌ يطولُ مع الرجاءِ لدى الهوى

خَيرٌ لَهُ من رَاحةٍ في اليأسِ

ثامناً: كما استطاعت المقاومة الإسلاميّة التي انطلقت عام 1982م، في جنوب لبنان بالتوكل على الله تعالى وبتعاون أهالي الجنوب معها وبالتالي معظم اللبنانيين والجيش اللبناني، تحرير التراب الوطنيّ وإلحاق الهزيمة بالجيش الإسرائيلي عام 2000م. وإيجاد توازن الرعب عند الإسرائيلي ولأوّل مرّة في تاريخ الكيان الصهيوني. واستطاعت صدَّ العدوان الإسرائيلي في تموز 2006م. والمحافظة على ميزان القوى العسكريّة التكنولوجية ما بينها وبين الجيش الإسرائيلي منذ عام 2000 ولغاية تاريخه.

تاسعاً: استطاعت ورقة التفاهم التي وُقِعَّت في كنيسة مار مخايل في الشياح ما بين دولة الرئيس ميشال عون عن «التيار الوطنيّ الحر» وسماحة العلاّمة السيّد حسن نصرالله في عام 2006م. عن المقاومة الإسلاميّة، توحيد اللبنانيين شعباً وجيشاً مع المقاومة الإسلاميّة في وجه إسرائيل. وبالتالي توحيدهم بوجه الحملات التكفيريّة الوافدة عليهم من خلال الحرب السوريّة علماً أن ورقة التفاهم هذه لا زالت مفتوحة للمناقشة وللتوقيع عليها أمام جميع الأحزاب والهيئات اللبنانيّة.

عاشراً: دعم وتأييد مؤسساتنا الوطنيّة التي أثبتت خلال سبعة عقود من الإستقلال كفاءتها ونزاهتها ووطنيتها وعلى رأس هذه المؤسسات: الجيش اللبنانيّ، القضاء، رجال التربيّة والتعليم، الجامعة اللبنانيّة، رجال الإبداع من العلماء والأساتذة والطلاب في شتى حقول المعرفة، الفلاح والعامل اللبنانيّ، المؤسسات الإغترابيّة اللبنانيّة، بعض الجمعيات الخيريّة والثقافيّة اللبنانيّة كجمعية المبرّات الخيريّة وجمعية الصليب الأحمر اللبنانيّ، والهيئة الصحيّة الإسلاميّة وغيرهم من مؤسسات.

وبعد فإنَّ بعض المدن والمناطق اللبنانيّة إستطاعت التمرد على إرهاصات وآثار الحرب اللبنانيّة (1975 ـ 1990) لتكون نموذجاً يقتدى به في العيش المشترك والوحدة الوطنيّة كمدينة جبيل وقضاء جبيل وفتوح كسروان، ومدينة صور وقضاء صور، ومدينة بنت جبيل وقضاء بنت جبيل ومدينة النبطية وقضائها. ومدينة أميون وقضاء الكورة وغيرها من قرى ومدن لوجود بعض رجال الدين والزعماء الوطنيين الذين إستطاعوا إبعاد تلك الإرهاصات والفتن عن مناطقهم. وقد تكلّم الخوري حليم عبدالله في كتابه النفيس «الوجه الآخر للحرب في لبنان» عن بعض تلك المواقف والمدن والقرى والشخصيات اللبنانيّة(3). كذلك إستطاع بعض اللبنانيين في بلاد الإغتراب رفع إسم لبنان عالياً في حقول المعرفة والعلوم والإقتصاد كالدكتور مايكل دبغي والمحامي مايكل برّي في الولايات المتحدة الأمريكيّة، الدكتور يوسف مروة في كندا، كارلوس سليم في المكسيك وغيرهم من الأعلام. والحديث عن ذلك يطول.

وختاماً نأمل من المفكرين والكتّاب اللبنانيين البحث والكتابة في المواضيع التي تشرِّع أبواب الأمل والرجاء عند اللبنانيين وتحارب القلق واليأس عند الشباب والشابات وتدعوهم للتشبث بأرض الوطن والدفاع عنها. وما يقوم به العلاّمة السيد علي فضل الله في «ملتقى الحوار والثقافات للتنمية والحوار» مع صحبه الأبرار خير شاهد على ذلك. وفي الوثيقة الصادرة عن هذا الملتقى تحت عنوان: السلم الأهلي وتعزيز لغة الحوار. والتي جعلتها موضوعاً لهذا العدد تماماً كما قام بذلك الأب حليم عبدالله في كتابه الآنف الذكر.