فاطمة الزهراء بنت الرسول (رضي الله عنها)

29/9/2015
العددان الثلانون والواحد والثلاثون ايلول-2017

 

إعداد: الشيخ الدكتور محمود بن سليم اللبابيدي(1)

مولدها ونشأتها:

هي فاطمة بنت مُحمّد بن عبدالله بن عبد المطلب بن هاشم ـ سيّد المرسلين وخاتم النبيين سيّد ولد آدم ـ (ع) وصغرى بناته وهي أيضاً ابنة خديجة أولى النساء إيماناً بالإسلام وهي زوج عليّ بن أبي طالب، أول من أسلم مع رسول الله (ع)، فما سجد لصنم، وما انحنى لوثن وهو المجاهد مع النبيِّ منذ صغره، وهو خليفة المسلمين، وهي أم الحسنين سيّدي شباب أهل الجنة (رضي الله عنهما).

ولقد شاء الله أن يقترن مولد فاطمة في يوم الجمعة الموافق للعشرين من جمادى الآخرة في السنة الخامسة قبل البعثة بقليل بالحادث العظيم الذي ارتضت فيه قريش (مُحمّداً) حكماً لما اشتّد الخلاف بينهم حول وضع الحجر الأسود بعد تجديد بناء الكعبة، وكيف استطاع عليه الصلاة والسلام برجاحة عقله أن يحلَّ المشكلة وَيُنقذ قريش مما كان يتهددها من حرب ودمار وإسالة دماء وعداوة بين الأهل والعشيرة.

حمل الأب الحاني ابنته المباركة يهدهدها ويلاطفها، وكانت فرحة خديجة كبيرة ببشاشته ، وهو يتلقى الأنثى الرابعة في أولاده، ولم يظهر عليه غضب ولا ألم لأنه لم يُرزق ذكراً (2) وكانت فرحة خديجة اكبر حين وجدت ملامح ابنتها تشبه ملامح أبيها، وقد استبشر الرسول بمولدها فهي النسمة الطاهرة التي سيجعل الله نسله منها.

الفصل الأول

عن أم المؤمنين أم سلمة (رضي الله عنها) قالت : كانت فاطمة بنت رسول الله (ع) أشبه الناس وجهاً برسول الله (ع).

وعن عائشة أم المؤمنين (رضي الله عنها) أنها قالت: ما رأيت أحداً من خلق الله أشبه برسول الله (ع) من فاطمة.

وقد كانت تسميتها فاطمة بإلهام من الله تعالى فقد روى الديلمي عن أبي هريرة عن عليِّ (رضي الله عنه)، أنَّ النبيّ (ع)، قال:« إنما سُميت فاطمة؛ لأن الله فطمها وحجبها من النار». والفطم هو القطع والمنع.

ترعرعت فاطمة في بيت النبوة الرحيم، والتوجيه النبوي الرشيد، وبذلك نشأت على العفة وعزّة النفسَ وَحُسن الخُلق، مُتخذة أباها رسول الله (ع) المثل الأعلى لها والقدوة الحسنة في جميع تصرفاتها. وما كادت الزهراء أن تبلغ الخامسة حتى بدأ التحول الكبير في حياة أبيها بنزول الوحي عليه، وقد تفتحت مداركها على أبيها وهو يعاني من صدَّ قريش وتعنت سادتها له، وشاهدت العديد من مكائد الكفار واعتدائهم على الرسول الكريم، وكان أقسى ما رأته فاطمة عندما ألقى سفيه مكة عقبة بن أبي معيط الأذى على رأس أبيها وهو ساجد يصلي في ساحة الكعبة ويبقى الرسول (ع) ساجداً إلى أن تتقدم فاطمة وتلقي عنه القذر.

وكان من أشدِّ ما قاسته من آلام في بداية الدعوة ذلك الحصار الشديد الذي حوصر فيه المسلمون مع بني هاشم في شُعب أبي طالب، وأقاموا على ذلك ثلاث سنوات ، فلم يكن المشركون يتركون طعاماً يدخل مكة ولا بيعاً إلا واشتروه، حتى أصاب التعب بني هاشم واضطروا إلى أكل الأوراق والجلود، وكان لا يصل إليهم شيء إلا مستخفياً، ومن كان يريد أن يصل قريباً له من قريش كان يصله سِرّاً.

وقد أثرَّ الحصار والجوع على صحة فاطمة فبقيت طوال حياتها تعاني من ضعف البنية، ولكنه زادها إيماناً ونضجاً. وما كادت الزهراء الصغيرة تخرج من محنة الحصار حتى فوجئت بوفاة أُمها خديجة (رضي الله عنها) فامتلأت نفسها حُزناً وألماً، ووجدت نفسها أمام مسؤوليات ضخمه نحو أبيها النبي الكريم، وهو يمرُّ بظروف قاسية خاصة بعد وفاة خديجة (رضي الله عنها) وعمه أبي طالب. فما كان منها إلا أن ضاعفت الجهد وتحملت الأحداث بصبر، ووقفت إلى جانب أبيها لتقدم له العوض عن أُمها الغالية واكرم الزوجات ولذلك كانت تكنى بأم أبيها.

ثم جاءت هجرة الرسول (ع) إلى يثرب بعد أن لم يبق له في مكّة مكان وعلى أثره هاجر عليٌّ (رضي الله عنه) وكان قد تمّهل ثلاثة أيام في مكّة ريثما أدى عن النبي الودائع التي كانت عنده للناس وبقيت فاطمة وأختها أم كلثوم حتى جاء رسول من أبيها (ع) فصحبهما إلى يثرب، ولم تمر هجرتهما بسلام فما كادتا تودعان مكة حتى طاردهما اللئام من مُشركي قريش ونخس أحد سفهاء مكة يدعى «الحويرث بن نقيذ» بعيرهما فرمى بهما إلى الأرض، وكانت فاطمة يومئذ ضعيفة نحيله الجسم ، وتركهما يسيران بقية الطريق إلى أن وصلتا إلى المدينة، وقد اشتد غضب الرسول (ع) على من آذى ابنتيه، فأهدر دمه(3).

زواج السيدة فاطمة الزهراء وحياتها في بيتها:

بعد أن تزوج الرسول (ع) من السيدة عائشة (رضي الله عنها) تقدم كبار الصحابة لخطبة الزهراء، بعد أن كانوا يحجمون عن ذلك سابقاً لوجودها مع أبيها (ع) وخدمتها إياه. فقد تقدم لخطبة الزهراء أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف (رضي الله عنهم) ولكن النبي (ع) اعتذر في لطف ورفق، وتحدّث الأنصار إلى عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه) وشجعوه على التقدم لخطبة فاطمة، واخذوا يذكرونه بمكانته في الإسلام وعند رسول الله (ع) حتى تشجع وذهب إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم خاطباً، وعندما حضر مجلس النبي غلبه الحياء فلم يذكر حاجته، وأدرك رسول الله ما ينتاب عليّ من حرج فبادره بقوله: ما حاجة ابن أبي طالب؟

أجاب عليٌّ: ذكرت فاطمة بنت رسول الله (ع).

قال رسول الله(ع): مرحباً وأهلاً ..

وكانت هذه الكلمات برداً وسلاماً على قلب عليّ فقد فهم منها، وكذلك فهم أصحابه أن رسول الله يرحب به زوجاً لابنته. وكانت تلك مُقدّمة الخطبة، عرف عليٌّ (ع) أن رسول الله يرحب به زوجاً لإبنته فاطمة، فلما كان بعد أيام ذهب إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وخطب فاطمة … وكان مهرها رضي الله عنها درعاً أهداها الرسول صلّى الله عليه وسلّم إلى عليِّ في غزوة بدر، وقد دعا لهما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «اللهم بارك فيهما وبارك عليهما وبارك لهما في نسلهما ».

لم تكن حياة فاطمة في بيت عليِّ مُترفة ولا ناعمة، بل كانت أقرب للخشونة والفقر، وقد كفاها زوجها الخدمة خارجاً وأسنده لأمة، وكان عليٌّ (رضي الله عنه) يساعدها في شؤون المنزل. قال عليٌّ (رضي الله عنه): لقد تزوجت فاطمة وما لي ولها فراش غير جلد كبش ننام عليه بالليل ونجلس عليه بالنهار، وما لي ولها خادم غيرها، ولما زوجها رسول الله بي بعث معها بخميلة ووسادة أدم حشوها ليف ورحائين وسقاء وجرتين، فجرت بالرحى حتى أثرت في يدها، واستقت بالقربة بنحرها، وقمّت البيت حتى اغبرت ثيابها. ولما علم عليُّ (رضي الله عنه) أن النبيَّ (ع) قد جاءه خدم قال لفاطمة: لو أتيت أباك فسألتيه خادماً، فأتته فقال النبيّ ما جاء بك يا بنية؟ قالت: جئت لأسلم عليك، واستحيت أن تسأله ورجعت، فأتاها رسول الله من الغد فقال: ما كانت حاجتك؟ فسكتت فقال عليٌّ: والله يا رسول الله

 

 

لقد سنوت حتى اشتكيت صدري، وهذه فاطمة قد طحنت حتى مجلت يداها وقد أتى الله بسبي فأخدمنا.

فقال الرسول (ع) :«لا والله ،لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تتلوى بطونهم، لا أجد ما أنفق عليهم ولكن أبيع وأنفق عليهم بالثمن» فرجعا إلى منزلهما، فأتاهما رسول الله ليخفف عنهما عناءهما وقال لهما برفق وحنان: ألا أخبركما بخير مما سألتماني؟ قالا: بلى: فقال(ع) :« كلمات علمنيهن جبريل: تسبحان الله دُبر كل صلاة عشراً، وتحمدان عشراً، وتكبران عشراً، وإذا أُويتما إلى فراشكما تسبحان ثلاثة وثلاثين، وتحمدان ثلاثة وثلاثين ،وتكبران أربعاً وثلاثين».

الفصل الثاني

خيمت السعادة على بيت فاطمة الزهراء عندما وضعت طفلها الأول في السنة الثالثة من الهجرة ففرح به النبيُّ فرحاً كبيراً فتلا الأذان على مسمعه، ثم حنكه بنفسه وسماه الحسن، وصنع عقيقة في يوم سابعه، وحلق شعره وتصدق بزنة شعره فضة. وكان الحسن أشبه خلق الله برسول الله صلّى الله عليه وسلّم في وجهه، وما أن بلغ الحسن من العمر عاماً حتى ولد بعده الحسين في شهر شعبان سنة أربع من الهجرة، وتفتح قلب رسول الله (ع) لسبطيه (الحسن والحسين)، فغمرهما بكل ما امتلأ به قلبه من حُب وحنان وكان (ع) يقول:«اللهم أني أحبّهما فأحبهّما وأحبَّ من يحبّهما» وتتابع الثمر المبارك فولدت الزهراء في العام الخامس للهجرة طفلة اسماها جدها صلّى الله عليه وسلّم (زينب). وبعد عامين من مولد زينب وضعت طفلة أخرى اختار لها الرسول اسم (أم كلثوم ).

وبذلك آثر الله فاطمة بالنعمة الكبرى، فَحُصِرَ في ولدها ذرية نبيه (ع)، وحفظ بها أفضل سلالات البشرية. وقد بلغ من حُبِّ رسول الله (ع) لابنته فاطمة (رضي الله عنها) أنه لا يخرج من المدينة حتى يكون آخر عهده بها رؤية فاطمة، فإذا عاد من سفره بدأ بالمسجد فيصلي ركعتين ،ثم يأتي فاطمة ،ثم يأتي أزواجه، وقد قال (ع) :« إنما فاطمة بضعة منيِّ فمن أغضبها فقد أغضبني». ولم يرض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يراها تلبس الحلي وأمرها ببيعها والتصدق بثمنها؛ وما ذلك إلا لأنها بضعة منه وأنه يريدها مثلاً أعلى في الزهد والصبر والتقشف كما كان هو (ع)، ولتتبوأ بجدارة منزلة سيدة نساء العالمين يوم القيامة.

وقد مرّت السيدة فاطمة (رضي الله عنها) بأحداث كثيرة ومتشابكة وقاسية وذلك منذ نعومة أظفارها حيث شهدت وفاة أمها، ومن ثم أختها رقية، وتلتها في السنة الثامنة للهجرة أختها زينب ،وفي السنة التاسعة أختها أم كلثوم.

وفاة الرسول (ع):

ولما حجَّ رسول الله (ع) حجة الوداع ،وأرسى قواعد الإسلام وأدى الأمانة ونصح الأمة وأكمل الله الدين. حان وقت الرحيل عن الدنيا الفانية، وأخذت طلائع التوديع للحياة تظهر على ملامح الرسول (ع) وتتضح من خلال عباراته وأفعاله . فقد اعتكف في رمضان في السنة العاشرة عشرين يوماً، بينما كان لا يعتكف إلا عشرة أيام، وكان يدارسه جبريل عليه السلام مرتين وما قاله لمعاذ رضي الله عنه « يا مُعاذ انَّك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا».

الفصل الثالث

وما قاله في خطبة الوداع:« أيها الناس اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا. وشهادة الناس له انه بلّغ وأدى ونصح...». وكان بداية مرضه (ع) بعد حجة الوداع في اليوم التاسع والعشرين من شهر صفر سنة 11 هجريةـ وكان يوم الاثنين. وقد صلى المصطفى (ع) بالناس وهو مريض أحد عشر يوماً وجميع أيام المرض كانت ثلاثة عشر يوماً.

وما أن سمعت فاطمة بذلك حتى هرعت لتوها لتطمئن عليه، وهو عند أم المؤمنين عائشة (رضي الله عنها) ،فلما رآها هشَّ للقائها وقال:« مرحبا بابنتي فأجلسها عن يمينه أو عن شماله ثم أسرَّ إليها شيئاً فبكت، ثم أسرَّ لها شيئا فضحكت. قالت ـ عائشة ـ قلت ما رأيت ضحكاً اقرب من بكاء، قلت: أي شيء أسر إليك رسول الله (ع) ؟ قالت الزهراء (رضي الله عنها): ما كنت لأُفشي سره! فلما قبض سألتها فقالت: قال: ان جبريل كان يأتيني كل عام فيعارضني بالقرآن مرة وأنه أتاني العام فعارضني مرتين، ولا أظن إلا أجلي قد حضر، فاتقي واصبري، فانه نعم السلف أنا لك. قالت فبكيت بكائي الذي رأيت :فلما رأى جزعي سارني الثانية، فقال :« يا فاطمة ،أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة ؟وأنك أول أهلي لحاقاً بي؟ فضحكت.

ورأت فاطمة رضي الله عنها ما برسول الله من الكرب الشديد الذي يتغشاه، فقالت: وأكرب أباه. فقال (ع) لها: ليس على أبيك كرب بعد اليوم يا فاطمة.

ولما حضرت النبي الوفاة، بكت فاطمة حتى سمع النبي صوتها فقال (ع) « لا تبكي يا بُنية، قولي إذا مت: انا لله وانا إليه راجعون، فإنَّ لكل إنسان بها من كل مصيبة معوضة »، قالت فاطمة: ومنك يا رسول الله؟ قال: ومني.

ولما مات الرسول (ع) قالت فاطمة: يا أبتاه أجاب ربا، يا أبتاه في جُنَّة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه. فلما دفن الرسول (ع) قالت: يا أنس كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله التراب؟، وبكت الزهراء أم أبيها، وبكى المسلمون جميعاً نبيهم ورسولهم محمد (ع) وذكروا قول الله تعالى: } إنك ميت وإنهم ميتون {.

الفصل الرابع والأخير

وفاة فاطمة رضي الله عنها:

أوصت الزهراء (رضي الله عنها) علي بن أبي طالب بثلاث وصايا في حديث دار بينهما قبل وفاتها. وقالت الزهراء يا ابن عم، انه قد نعيت إلي نفسي، وإنني لا أرى حالي إلا لاحقة بأبي ساعة بعد ساعة، وأنا أوصيك بأشياء في قلبي. فقال (كرم الله وجهه): أوصيني بما أحببت يا بنت رسول الله (ع)، فجلس عند رأسها وأخرج من كان في البيت. فقالت (رضي الله عنها): يا ابن العم ما عهدتني كاذبة ولا خائفة، ولا خالفتك منذ عاشرتني.

فقال (رضي الله عنه): معاذ الله! أنت أعلم بالله تعالى، وأبرُّ واتقى وأكرم وأشدُّ خوفاً من الله تعالى، وقد عزَّ علي مفارقتك وفقدك إلا أنه أمر لا بُدَّ منه، والله لقد جددت علي مُصيبة رسول الله (ع) وجلَّ فقدك، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وقد أوصت الزهراء رضي الله عنها عليَّاً كرم الله وجهه بثلاث:

أولا: أن يتزوج بأمامة بنت العاص بن الربيع، وهي إبنة أختها زينب (رضي الله عنها). وفي اختيارها لأمامة رضي الله عنها قالت: أنها تكون لولدي مثلي في حنوتي ورؤومتي. وأمامة هي التي روي أن النبي (ع) كان يحملها في الصلاة.

ثانياً: أن يتخذَّ لها نعشاً وصفته له، وكانت التي أشارت عليها بهذا النعش أسماء بنت عميس (رضي الله عنها)، وذلك لشدة حيائها (رضي الله عنها) فقد استقبحت أن تحمل على الآلة الخشبية ويطرح عليها الثوب فيصفها، ووصفه أن يأتي بسرير ثم بجرائد تشد على قوائمه، ثم يُغطى بثوب.

ثالثا: أن تدفن ليلاً بالبقيع.

لم يطل مرض الزهراء (رضي الله عنها) الذي توفيت فيه، ولم يطل مقامها في الدنيا كثيراً بعد وفاة المصطفى (ع)، وقد اختلفت الروايات في تحديد تاريخ وفاتها، فقيل في الثالث من جمادى الآخرة سنة عشرة للهجرة وقيل توفيت لعشر بقين من جمادى الآخرة، أما الأرجح فإنها توفيت ليلة الثلاثاء يوم الاثنين من شهر رمضان سنة إحدى عشرة من الهجرة.

وتوفيت وهي بنت تسع وعشرين سنة. وقيل كانت قبل وفاتها فرحة مسرورة لعلمها باللحاق بأبيها الذي بشرها أن تكون أول أهل بيته لحاقاً به وقيل لبثت الزهراء بعد وفاة رسول الله (ع) ثلاثة اشهر وفي رواية أخرى ستة اشهر. وقد نفَّذ عليّ (كرم الله وجهه) وصيتها، فحملها في نعش كما وصفته له ودفنت بالبقيع ليلاً، وهي أول من حُملت في نعش وأول من لحقت بالنبيّ (ع) من أهله.

حملت فاطمة بين دموع العيون وأحزان القلوب، وصلى عليها عليّ (كرم الله وجهه) ونزل في قبرها، فضمَّ ثرى الطيبة الطاهرة فاطمة الزهراء رضي الله عنها كما ضمَّ جثمان أبيها المصطفى (ع).

الخاتمة:

قد جمعت في هذا البحث قبسات من سيرة سيدة نساء العالمين على أمل أن يكون ذلك نبراساً يضيء القلوب ويمحو منها تشكيك المتشككين في عظمة هذا البيت وهذه السيدة الطاهرة. فكل حياة سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء دروس وعبر وعظات، ففي صباها ناصرت الدعوة ودافعت عن أبيها وذلك درس للأولاد، وفي تزويجها وجهازها وصبرها على شظف العيش حل لكثير من المشكلات، وفي فضائلها وخصائصها ومزاياها إصلاح لكثير من الأخلاقيات وفي اهتمام المصطفى بها وتنويهه بذكرها وتهذيبه لها درس للفتيات المسلمات، وفي عفتها وطهارتها مرآة لكل فتاة.

لقد ضربت لنا الزهراء(رضي الله عنها) نموذجا فريداً ومثلاً أعلى في حياتها، فقد كانت مثال الزوجة الصالحة الصابرة وكانت مثلاً في حُسن علاقتها مع جاراتها وقريباتها، وكانت قُدوةً في رسالة الأمومة حتى كان من ذريتها ما كان. فرحم الله الزهراء ريحانة سيد ولد آدم وزوج سيد الفرسان، وأم الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأم زينب بطلة كربلاء.

 

الهوامش:

(1) عضو في « تجمع العلماء المسلمين ».

(2) رُزق النبيِّ (ع)، من خديجة (رض) بذكرين وهما: القاسم وعبدالله ماتا صغيرين في مكّة. كما رُزق بطفل واحد وهو ابراهيم من مارية القبطية في المدينة المنوّرة مات صغيراً.

قال العلاّمة السيّد هاشم معروف الحسنيّ في سيرة الأئمة الاثنى عشر:[« فبعد أن نفذّ عليّ t، وصايا الرسول (ع)، وسلّم الودائع لأهلها كما نصّت على ذلك المؤلفات في سيرة النبيّ (ع)، إلى أن قال: وخرج في وضح النّهار بالفواطم وهُنَّ: والدته فاطمة إبنة أسد، وفاطمة إبنة رسول الله (ع)، وفاطمة إبنة حمزة بن عبد المطلب ومعه أم أيمن وأبو واقد الليثي فجعل أبو واقد يجد السيرة مخافة أن تلحقهم قريش وتحوّل بينهم وبين اتمام المسيرة. فقال له عليّt، ارفق بالنسوة يا ابا واقد وارتجز قائلاً:

ليس إلا الله فارفع ظنكا              يكفيك ربُّ الخلق ما أهمكا

فلما قارب ضجنان أدركه طلب قريش وكانوا ثمانية من فرسانهم معهم مولى لحرب بن أمية يدعى جناح. فقال عليٌّ t، لأيمن وأبي واقد انيخا الابل واعقلاها. وتقدّم هو فأنزل النسوة ناحية واستقبل القوم بسيفه. ثُمّ قالوا له: ظننت أنّك ناج بالنّسوة وناشدوه أن يرجع بهنّ طائعاً قبل أن يرجع بهنّ مكرهاً. ولكن عليّاً استقبل القوم بسيفه، وشدَّ عليهم حتى فرَّقهم عن الركب يميناً وشمالاً. ومضى في أثرهم الواحد تلو الآخر وضرب جناحاً مولى بني أًميّة على عاتقه فقده نصفين ودخل السيف إلى كتف فرسه ولاذ الباقون بالفرار. وعاد عليّ t، يتابع المسيرة بمن معه من النسوة حتى دخل المدينة وقد أجهده السير على قدميه فرق َّ النبيّ (ع) لحاله.

وجاء في بعض المؤلفات في السيرة: أنّ الحويرث بن نقيد بن عبد قصي كان أحد الفرسان الّذين أرسلتهم قريش لمطاردة عليّ t، ومن معه من النسوة وكان ممن يؤذي النبيّ (ع)، في مكّة. فأقبل الحويرث على البعير الذي يحمل فاطمة ومعها احدى الفواطم إلى الأرض فاضرَّ بها وكانت نحيلة الجسم. وأثناء فتح مكّة في العام الثامن للهجرة قتله عليّ في مكّة لأنّه كان من النفر الّذين أهدر النبيّ دمهم أثناء فتح مكّة». ج1، ص 79 ـ 80 ـ 81. بتصرف.