إعادة قراءة التاريخ مدخلٌ الى الوحدة الإسلامية

06/09/2016
العددان الثلانون والواحد والثلاثون ايلول-2017

بقلم مدير التحرير المسؤول

لا أحد يستطيع إنكار ما للتاريخ من أهمية قصوى ترخي بظلالها على الواقع الإنساني بشكل عام.

إذ به تتحدد الهوية الفكرية والثقافية والحضارية لأيِّ أمة أو شعب أو مجموعة بشرية وتتسم به، وتتميّز عن غيرها وتتفاضل بما ورثته من علوم وأخلاق وآداب وما شاكل.

والتاريخ الإسلامي بمعناه العلمي، هو سجلٌّ حافلٌ بالمحطات العلمية والثقافية والأخلاقية، كما أنه أيضاً سجلٌ يشوبه العديد من الأمور السلبية والتي كانت نتيجة عمل المسلمين على المستوى الفردي لا على المستوى الفكري كدين أو رسالة. وخير شاهد على ذلك ما تعيشه الأمتان العربية والإسلامية من تناحر واختلاف وفرقة في الوقت الراهن.

وللتخلّص من هذه السلبيات الموروثة، وفي سبيل إعادة لحمة الأمة وتوحيد كلمتها، يجب على المتخصصين إعادة قراءة وكتابة التاريخ الإسلامي بشكل علمي وموضوعي يهدف الى تنقية هذا التاريخ من الموروثات السلبية والتركيز على جوهر ومضمون الفكر الإسلامي الأصيل.

وللوصول الى هذه الغاية المنشودة، لا بُدَّ من اعتماد آلية ومنهجية واضحة ومحددة تنطلق في البداية من شرح معنى التاريخ كمصطلح والولوج من خلال ذلك الى التاريخ الإسلامي وفق هذا التصور وهذه الآلية.

وعليه، يجب أن ننطلق بشرح معنى التاريخ بقسميه العام والخاص. وبعبارة أخرى دراسة مفهوم ومعنى التاريخ بالشكل الأعمّ وبالمعنى الأخصّ.

1ـ فالمعنى الأعمّ: ويشمل دراسة تاريخ كل عالم الوجود المادي والميتافيزيقي مثال ذلك:( دراسة الأفلاك والنجوم والأرض والإنسان والحيوان والنبات والعقائد والأفكار والمفاهيم وما شابه ذلك).

2ـ والمعنى الأخصّ: وهو يتناول جزءاً محدداً من هذا الوجود والذي يعبّر عنه مثلاً: بالوجود الإنساني أو مراحل تطوره أو عيشه أو انتقالاته أو أفكاره أو صراعاته أو ما شاكل ذلك.

والذي يعنينا في هذا الموضوع الحديث عن مرحلة من التاريخ الإنساني والمعروف بالتاريخ الإسلامي.

3ـ أهمية دراسة التاريخ: وتكمن في نقطتين أساسيتين تتفرّع منهما جملة من العناوين:

الأولى: أن الإنسان المعاصر إنما وصل الى ما وصل اليه من تطور فكري وحضاري يرتكز بالأساس على قاعدة المعرفة التراكمية، والتي وصلت إليه من خلال تجارب وتطور الأسلاف، وبالتالي إعادة الإهتمام بدراسة تاريخهم بما يحمل من إيجابيات وسلبيات، يمكِّننا ذلك من الإستفادة من إيجابياتهم في كافة المجالات والعمل على تطويرها من حيث انتهوا اليها، كما يمكِّننا ذلك من عدم اقتراف الأخطاء التي وقعوا بها، وأيضاً في كافة المجالات، وبعبارة أخرى الإستفادة من خبراتهم وتجاربهم والإتعاظ والإرتداع عن أخطائهم. وهذا يصحّ في الجانبين الإنساني والإسلامي.

مثال ذلك موضوع (إدوارد لورينتز) ونظرية الفراشة الطائرة والتي تبلورت لاحقاً حتى عرفت بالفوضى البنَّاءة وهذا في الجانب العلمي الإنساني، وأيضاً مسألة الخوارج وما نتج منها وهذا في الجانب الإسلامي.

الثانية: أن المستقبل يعتمد بكليَّته على التاريخ والذي هو الحاضر أو ما يعرف (بالآن)، (فالآن) هو التاريخ للغد أي المستقبل لذا فإن أي أمة أو مجموعة أو شخص يريد أن يترك بصمة فكرية أو علمية أو اجتماعية أو اقتصادية أو الى ما هناك فلا بد والحال هذه من التحرك والعمل الآنيّ والذي يعتمد بشكل عام على الماضي الذي يعبّر عنه بأنه التاريخ. مثال ذلك القول المأثور: زرعوا فأكلنا نزرع فيأكلون.

لذا يصح القول بأن الإنسان هو من يصنع التاريخ وليس التاريخ من يصنعه.

4 ـ كيفية دراسة ومقاربة التاريخ:

تعتمد هذه الكيفية على جملة من العناوين المحورية والمركزية والتي لا بد من الإعتماد عليها عند الدراسة أو المراجعة التاريخية الإنسانية بشكل عام والإسلامية بشكل خاص وهي على الشكل التالي:

أ ـ الموضوعية والتي تعني التجرد من الأفكار والمفاهيم المسبقة قدر الإمكان إذ بدونها نقع في فخ تأويل النصوص واستنطاقها بما يتلاءم مع أفكارنا وعقائدنا المسبقة.

ب ـ عدم تقديس ما لم تثبت قداسته بالأدلة العقلية والعلمية والعملية إذ في حالة تقديس ما لم تثبت قداسته كالنص فإن ذلك يحول دون ملاحظة الأخطاء أو الهفوات الواردة وبالتالي عدم استفادتنا من هذه المراجعة للقيام بعملية النقد البنّاء مثال ذلك: (مسألة التطبير) أو (مسألة الصحابة).

ج ـ عدم الخجل من أخطاء الماضي ومحاولة تبريرها والتماس الأعذار لها. إذ أن الدارس والمشتغل بالتاريخ مثله كمثل الطبيب الذي يعاين مريضاً لديه تقرّحات وتشوهات منفِّرة للإنسان إلا أن هذا الأمر لا يشغل الطبيب الذي يبقى مركِّزاً على تشخيص أسباب المرض الحقيقية دون الإلتفات الى تلك المنفِّرات.

كما أن الخطأ سمة بشرية عامة والعصمة فإنها استثناء خاص جداً ولأفراد معدودين.

د ـ إعتماد المنهجيّة العلمية بالدراسة من خلال الإستناد الى المصادر الموثوقة واجراء عملية استقراء واسعة وتحليلية مع المقابلة بين النصوص حول المسألة التي نخضعها للبحث. وذلك من أجل تفادي الوقوع في مطب العشوائية أو الإنتقائية أو حتى التقصير والإحاطة بالآراء حول الموضوع.

هـ ـ الأمانة العلمية وهي التي تقتضي منا إيراد النتائج كما وصلنا اليها بغضِّ النظر عن مواءمتها مع أفكارنا أو قناعاتنا كما تملي علينا ذكر المصادر التي اقتبسنا منها وعدم نسبتها الى أنفسنا أو الى غير أهلها.

وـ النقد البنّاء بحيث لا يكون بطريقة تسيء الى مشاعر وأفكار ومعتقدات من يلتزم بها إذ ان الطريقة أو المنهج النقدي يجب ان يكون مغلَّفاً ومشوباً بالأدب العلمي البعيد عن الإستهزاء والسخرية أو الأدب بشكل عام مع التواضع إذ ربما لاحقاً نجد من ينتقد رأينا ويظهر خلله فكما تدين اليوم غداً تدان.

هذه بشكل عام أهم النقاط حول هذا الأمر ويوجد غيرها لم نذكره إختصاراً.

5 ـ أهم ثلاثة مصادر أو ينابيع للمعرفة التاريخية تكمن في:

1 ـ الكتاب (المطبوع) وهو يشكل الآثار العمرانية والحجرية وما شاكل أي علم الآثار بشكل عام.

2 ـ الكتاب (المقروء) وهو ذاك الكتاب أو المخطوطات أو ما شابه.

3 ـ الكتاب (المنقول) وهو ما ينقل على الألسن بدون مصدر محدد ولكنه متواتر بنسبة كبيرة. ولا تنحصر المصادر المعرفية والتاريخية بهذه الينابيع المذكورة آنفاً بل هناك بعض المصادر الأخرى، والعلم الذي يبحث عنها للتعرف إليها (علم المعرفة) أو (إبستمولوجي) كالوحي والرؤى والكشف وغيرها. وهي تتفاوت بالقوة والضعف لجهة القيمة العلمية والمعرفية.

هذا وبإختصار شديد ما يمكن إجماله حول معنى التاريخ.

أما عن معنى التاريخ الإسلامي الذي هو موضوع هذه المقالة فإنه يمكننا القول:

أن هذه الدراسة شأنها شأن دراسة التاريخ بالمعنى الأعمّ لجهة الضوابط العلمية التي تم ذكرها آنفاً.

إلا أن هناك فارقاً أساسياً يجب الإلتفات إليه كي لا نقع في خطأ جوهري وأساسي كما هو حاصل عند الكثير من الذين اشتغلوا بالتاريخ الإسلامي وخصوصاً المستشرقين.

ـ فتارةً ندرس التاريخ الإسلامي كدعوة ونهضة فكرية وعقائدية واجتماعية صدع بها النبي w في زمان معين وعلى بقعة جغرافية محددة مع مجموعة بشرية محددة ومشخَّصة.

ـ وتارةً ندرس هذا التاريخ وهذه المرحلة بالإضافة الى المراحل المتعاقبة وصولاً الى يومنا هذا.

والفرق هنا يكمن بأن الدراسة الأولى نخرج منها بنتائج صحيحة وأقرب ما تكون من الواقع بخلاف الدراسة الثانية والتي نخلص من خلال دراستها الى نتائج أفضل ما يقال عنها أنها متضاربة إذا لم نقل بأنها مشوهة.

فالدراسة الأولى ينصبُّ إهتمامها على دراسة المرحلة الأولى في تاريخ الدعوة الإسلامية مع وجود النبي w وإشرافه وقيادته وبالتالي مرحلة التطبيق العلمي والعملي للأفكار والمفاهيم الإسلامية الحقيقية.

أما الدراسة الثانية فإنها تشمل هذه المرحلة مع المراحل اللاحقة للمسلمين الذين طبّقوا آراءهم وعملوا في الساحة الإسلامية وما اعتقدوه وفق مفهومهم الإسلامي الخاص، وهذا ما أدىّ بنا اليوم الى ملاحظة هذه الفجوات العميقة والمختلفة في مجتمعاتنا الإسلامية المعاصرة، وذلك لأنها ما تزال ترتوي أفكارها ومفاهيمها من تلك المفاهيم اللاحقة، وإلا فكيف لنا أن نفهم اليوم تكبير القاتل وتكبير وتشهّد المقتول؟!!!

إذاً يجب أن ينصّب إهتمامنا بدراسة التاريخ الإسلامي من خلال دراسة المرحلة الأولى حتى لا نجافي الحقيقة ولا نبتعد عن الصواب ونخرج بنتائج سليمة وصحيحة تمكننا من الحكم على الفكر الإسلامي برمته بشكل منصف يساهم في تقريب مساحة التلاقي بين المسلمين في وقتنا الراهن.

ولدراسة هذه المرحلة الأولى أي تاريخ الدعوة يتحتم علينا دراستها وفق مراحلها الأربع:

1 ـ تاريخ شبه الجزيرة العربية قبل الدعوة بشكل عام.

2 ـ تاريخ الدعوة وهي التي تعرف بالمرحلة المكية وهي التي تشكل مرحلة النهضة الفكرية العلمية.

3 ـ تاريخ الدعوة بمرحلتها المدنية وهي التي تشكل مرحلة بناء المجتمع أي المرحلة (العملية).

4 ـ تاريخ مرحلة الخلافة وما نتج منها من آثار شكلت معالم المراحل اللاحقة.

وتجدر الإشارة الى أن دراسة النقاط الثلاث الأولى دراسة واعية وعميقة في آنٍ معاً، تمكِّننا من الحصول على أمرين في غاية الأهمية:

الأول: فَهمُ جوهر الدين الإسلامي وما أحدثه من تغيير وتصويب في الفكر الإنساني بشكل عام، وفهم تلك النقلة النوعية والحضارية لأبناء شبه الجزيرة العربية آنذاك، وبالإضافة الى ترددات وصدى هذا الأمر لدى الحضارات والشعوب المجاورة. والذي يمكن تسميته : بالمقاصد العامة للشريعة الإسلامية وبعبارة أوضح قوله تعالى:} وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ {الأنبياء،107.

الثاني: فَهمُ البعد القبلي وما يحمل من موروثات سلبية، والتي تصدّى لها الإسلام وصوّب الكثير منها، وكيفية إنسلال جزء منها وبقائه عصياً على المعالجة، وبالتالي فهم كيفية تأثيره على النقطة الرابعة في المرحلة الأولى وما تلاها من مراحل في التاريخ الإسلامي. والذي يمكن تسميته: التمسك بالموروث القبلي والذي يتجلى بقول الشاعر: لا كعباً بلغت ولا كلابا.

إن في فَهمِ هذين الأمرين بشكل موضوعي وعلمي، وبعيد عن الهوى والتعصب الأعمى، يخلـّص الأمة الإسلامية من الكثير من الإختلاف والنزاعات، التي تشكل بحقيقتها من وجهة نظرنا أكثر من ثلثي الأزمة بين المسلمين في وقتنا الراهن، كما أنها تساهم وبشكل فعّال في تهيئة الأرضيّة الصالحة، والمناخ الإيجابي بينهم لمعالجة ما تبقى من مسائل والتي يمكن حصرها في بعض العناوين العلمية الإسلامية، كعلم الحديث، والتفسير، والتأويل، والفقه وما شاكل ذلك.

ومهمة النهوض بهذه الدراسة والتي فيها جهود مضنية وجبّارة، تقع بالدرجة الأولى على المؤسسات العلمية الإسلامية، لما لها من تأثير ومصداقية في إحداث هكذا نوع من التصويب في التراث الإسلامي، وما لها من إمكانيات تؤهلها للإستمرار بهذا النوع من العمل. ولعمري، فإن هذا العمل في وقتنا الراهن من أشرف الأعمال وأذكاها، لأنه يساهم في رأب الصدع وحقن الدماء، وصيانة الأعراض وحفظ الأموال والطاقات لدى المسلمين كل المسلمين.

} وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ{ التوبة ،105.

فاليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.