مستقبل الكتاب العربي والقراءة إلى أين؟ "بيتّ بلا كُتُب كجسد بلا رأس"

25/11/2019
العددان التاسع والثلاثون والاربعون تشرين الاول -2019

سقراط فيلسوف الأغريق العظيم

الأستاذ يوسف حيدر أحمد(١)

بين الأمس واليوم فرقٌ شاسعٌ، في مختلف الميادين والمجالات، لا سيما الثقافية منها ، وتحديداً قضية الكتاب والقراءة. وذلك بسبب تطوُّر الأساليب والتقنيّات الحديثة التي انتشرت على مساحة العالم المعاصر. وهذا التغيير المُستمر في أنماط الحياة هو ما أشار إليه الإمام علي بن ابي طالب t، بنظرته الرؤيوية في حتمية تغيير الزمان المُستمر بقوله: « لا تُقسروُا أولادكم على أخلاقكم ( أي عاداتكم وتقاليدكم) فأنهم مخلُوقُون لزمان غير زمانكم» (٢) وقضية الكتاب لا تَشذُّ عن هذا التغيير. وبديهي ان الكتاب ـ وهو موضوع حديثنا ـ هو ذلك المُثَقّف الصامت والأمين الذي لا يخون ، والصادق الذي لا يكذب ، والذي نشعر بحضرته وكأننا بين يدي صديق حميم فيُشعرك وأنت تقلّب صفحاته بيديك وعينيك وقلبك وأحاسيسك وكأنك تشاهد العالم أمام ناظريك، الأمر الذي يجعلك تعيش في أجواء دافئة من المتعة، والدعة والفرح الداخلي، وهذا ما لفت النظر إليه الشاعر العربي الكبير أبو الطيب المتنبي الذي اعتبر الكتاب خير أنيس وجليس لصاحبه بقوله مادحاً:

وأعزُّ مكان في الدُنَى سرجُ سابح

... وخير جليس في الأنام كتابُ

كما يحدثنا الدكتور عبد المجيد مهنا عن قيمة الكتاب التاريخية وغائيته الابتسمولوجية بقوله:« الكتاب الذي شقَّ طريقه منذ آلاف السنين، وكان ولا يزال وسيلة الاتصال الأساسية والوعاء المعلوماتي الأهم بين مصادر المعلومات. ذلك الذي يصفونهُ بالباني، والمُنظّم، والحاضن للمعرفة البشرية، يحمل بين دفتيه العلم والمعرفة » (٣).

ومكتشف قانون الجاذبية إسحق نيوتن NEWTON (١٦٤٢ ـ ١٧٢٧) يَعتبرُ الكتاب والكاتب بأنهما بُناة الحضارة والابداع . والرابط المُشترك بين السابقين واللاحقين من العظماء بقوله: « لقد وقفتُ على اكتاف العمالقة الذين جاؤوا قبلي» أما ميزةُ خاصية رائحة حِبرِ الكتاب السِحرية ، فَنُحيلُها للأديب والشاعر أمين نخله ( ١٩٠٤ ـ ١٩٦٧) حيث يصفها لنا بكلمات تَذُوبُ رِقَّة وجمالآَ وبياناَ وشاعرية بقوله:« ليس من شيء هو ألذُّ في الشم، ولا أضوع. ولا أقرب إلى مرتبة التَشهَّي، من حبر جديد، في كتاب جديد تمُرُّ يدك عليه، فكأنك تمسّ حركات الخواطر برؤوس أناملك، بل ان هذا النسيم الذي تؤدَيه أفواهُ الدَّوريات، لأطيب من فم الحبيب ومن نَفَسِهِ» (٤) ومن المفيد تاريخياً القول، بأن العرب كانوا أمَّةٌ بمعظمها أمَّية لا تقرأ ولا تكتب ، حتى جاء الاسلام ، فكانت أولى آياته القرآنية التي نزلت منه على قلب النبي w، تقول: }اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق َخَلَقَ الاْنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ{ (سورة العلق ١ ـ ٣ ـ ٤ ـ ٥ ). وكانت هذه الآيات بمثابة نقطة انطلاق تلقَّي العلم ومَحُو الأمية، فكلمة إقرأ في هذه الآية تعني (القراءة) وكلمةُ عَلَّم بالقلم تعني (الكتابة) وكلمةُ علَّم الانسان ما لم يعلم تعني (المعرفة).

وهكذا حَثَّ الاسلام منذ فجر ظهوره على العلم والقراءة والكتابة ، وكان الرسول يقول لأصحابه:« أطلبوا العلم ولو في الصين». ولعنايته الفائقة في القراءة والكتابة، فقد قضى بعد معركة بدر مع المشركين أن يطلقَ سَرَاح كلُ أسير من قريش شريطة أن يُعلِمَّ هذا الأخير عشرة من المسلمين القراءة والكتابة.(٥) وبلغت العناية بالكتاب والمكتبات ذروتها في العصر العبَّاسي لا سيما في بغداد، على يد الخليفة هارون الرشيد (٧٦٦ ـ ٨٠٩ م) إذ انه قد جمع في بلاطه مُترجمين، يُترجمون له مُؤلَّفات الكتَّاب اليونانيين القُدماء وغيرهم. امَّا إبنه ، المأمون الذي حكم خلال (٨١٣ ـ ٨٣٣ ) فقد أسسَّ الاكاديمية المعروفة بـ «بيت الحكمة» التي ضَمّت مَرْصداً فلكيّا ومكتبة جمعت مليون مخطوطة. (٦)

ومع إطلالة العصر الحديث، أخذ التطور التكنولوجي والالكتروني يغزوُ العالم بالكمبيوتر والانترنت وأخواتها ، فأخذ الكتاب الورقي يتراجع في العالم العربيّ تدريجياً، وانزوى على رفوق المكتبات ينتظر من ينفض عنه غبار الاهمال والنسيان. وكان لهذا التراجُع الثقافي والمعرفي المؤسف، بضعة أسباب نذكر بعضها:

أ ـ التحدي المعيشي الصعب الذي يُكابده الناس، الأمر الذي صرفَهُم عن شراءِ الكُتب الغالية الثمن كما يحدث في المكتبات ومعارض الكتاب العربي.

ب ـ تأثّر الكتاب الورقي السلبي من التطوُّر التكنولوجي ، فأصبح الكتاب الالكتروني بَديلاً عنه.

ج ـ تكفّل مواقع التواصل الاجتماعي في نقل المعلومات السريعة التي لم تكن دقيقة أحياناً كثيرة. بخلاف الكتاب الورقي الاكثر دقّة وتوثيقاَ .

د ـ ضيق الوقت عند بعض الناس مما جعلهم يصرِفون النظر عن المطالعة .

ه ـ إهمال الاهل للمطالعة، مما ينعكس سلباً على اطفالهم فَيحرمونَهم من لذة القراءة، لا سيما في الكتب التي تتميز بأسلوب جميل، وعناصر تشويق، وفائدة معرفية .

و ـ عدم تخصيص أوقات ولو قصيرة للمطالعة اليومية بحيث تصبح عادةً جميلة ومفيدة.

هذا التقصير في المطالعة في شرقنا العربيّ، يُقابله نهمٌ وحب للكتاب في العالم الغربي، وتبرز مُقارنة ومفارقة مؤسفة، ـ يحدثنا عنها العلاّمة الشيخ محمد جواد مغنية، غامزاً من قناة العرب ـ أمةُ أقرأ وهي لا تقرأ ـ مقابل إهتمام الغرب الزائد في الكتاب فيقول:« يثير أعجابي الشديد ان ملايين الكتب تُطبع وتباع في الاتحاد السوفياتي وأمريكا والبلاد الاوروبية، وان معظم الناس في تلك البلاد يقرأون ويتذوقون ويصحبون معهم الكتاب أنّى توجهوا كزاد طعام، وانهم يتموّنون من الكتب من أجل مطالعاتهم الشهرية وحتى السنوية، كما نتموّن نحن العرب من الفول والبصل والثوم», (٧) ولم يكتف الغرب بالتمتع بلذة القراءة بشكل عام، إنما ابتكر العلاج بالقراءة Bibliotherapy للشفاء من الأمراض النفسية والقلبية والجسدية وكذلك العلاج بالشعر (٨) وبقراءة الكتب المقدّسة التي يعتبرها روبرت برتون Robert Burton بمثابة صيدلية عامرة بكل الأدوية اللازمة لتخفيف آلام البدن(٩)ومهما يكن من تقصير واهمال فلا بُدّ من العودة الى الكتاب بعد فراق قسري فرضته الظروف والأسباب التي ذكرناها آنفاً . فالكتاب يبقى الصديق والانيس والمعلّم ونتفاءل بعودته ـ كعودة الابن الضال ـ متناغمين مع موقف الكاتبة والروائية اللبنانية اميلي نصرالله التي تخبرنا عن أهمية الكتاب والقراءة بقولها:« الكتاب رفيق العمر والدروب الموحشة، ونشأنا على صداقته. وكان منذ خُط الحرف الأول، المنهل لكل ما وصلنا من علوم ومعارف ويصعب التفكير في أنّه سينهزم أمام سطوة الانترنيت وهجمة التكنولوجيا، شريطة ان لا نتجمّد في الماضي وأساليب الماضي. وفي النهاية ، الكتاب صديق لا يمكن الاستغناء عنه في كل بيت كما قال سقراط رغم المشاغل والمغريات السلبية. وفسحة من الأمل بغد مشرق بالكتاب والقراءة يغدقها علينا العلاّمة الشيخ محمّد جواد مغنية مجدداً عندما يخبرنا عن قصته الرائعة مع القراءة والكتابة، فنسمعه يقول:« أغلى أُمنية على قلبي ان يُفاجئني الأجل وأنا اكتب داعياً الى الله والحقّ والعدل، بل أسمى الرغائب لديّ ان أدخل الجنّة لأقرأ فيها وأكتب خالي البال مُتحرراً من الاشغال (١٠) وكما يقول أحد الفلاسفة:« إنني إذا امتنعت عن القراءة ثلاثة ايام لا أُحسن محادثة الناس»(١١).

وبعد، فالكتاب عالم جميل وحميم، ومرآة ننظر من خلالها الى عظمة الكون والقيم والاخلاق والأعمال الخالدة .

عمشيت في ٢٥/ ١١/ ٢٠١٨

 

الهوامش:

  1. دبلوم دراسات عليا في اللغة العربية وآدابها ـ الجامعة اللبنانية
  2. جورج جرداق ، «الامام علي صوت العدالة الانسانية»، منشورات ذوي القُربى . إيران ــ قم ١٩٦١م ــ ١٣٨١ ه الجزء الاول. صفحة ٥٥٧ .
  3. مجلة شؤون عربية : عدد ٧١ أيلول ١٩٩٢ صفحة ١٤٠.
  4. أمين نخلة «المفكرة الريفية»، منشورات دار الكتاب اللبناني بيروت طبعة رابعة ١٩٦١ صفحة ١٣ .
  5. محمد جواد مغنية «نفحات محمدية»، دار الجواد بيروت طبعة اولى ١٩٨١ صفحة ٣٧ .
  6. د. الكسندرستيبتشفيتش «تاريخ الكتاب»، القسم الاول . ت محمد الارناؤوط عن عالم المعرفة عدد ١٦٩ ك٢ ١٩٩٣ الكويت صفحة ٢٤٠.
  7. محمد جواد مغنية، « تجارب محمد جواد مغنية بقلمه»، دار الجواد بيروت ط ١٩٨٠ ص ـ١٢٧
  8. د. شعبان عبد العزيز خليفة، «العلاج بالقراءة او البيبليوثيرابيا»، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة طبعة ٢٠٠٠ صفحة (٤٩٦ ــ ٥٠٦ ضمناً).
  9. المصدر نفسه صفحة ٥٥ .
  10. محمد جواد مغنية ، مصدر سابق . صفحة ١٤٣ .
  11. خالد محمد خالد ، في البدء كان الكلمة مكتبة الانجلو المصرية القاهرة ، طبعة نوفمبر ١٩٦١ صفحة ١٣٠ .