معاً الى الابد

25/3/2019
العددان السابع والثلاثون والثامن والثلاثون شباط-2019

بقلم المربيّة الأستاذة الحاجة نمرة حيدر أحمد

أطلقت زغردة من صميم قلبها، لأول مرّة تطلق لنفسها العنان وكأنها تحررت من قيود أَسَرَتْها زمناً طويلاً. لقد اختصرت هذه الزغردة عمراً من العذاب. أجل لا بدّ لليل الألم أن ينجلي، رددتها في نفسها مراراً ثم دنت من ابنتها «شفق» بخطوات ثابتة لم تمشها من قبل، عانقتها بقوة حتى اتحدت دقات قلبيهما، قبلتها ومن ثم سلمت على عريسها وتمنت لهما السّعادة ووقفت بجانبهما، لحقها زوجها وسلّم على العريس ومن ثم سلّم على شفق بحرارة واغرورقت عينا كلّ منهما بالدّموع، صحيح أن «شفق» ابنة زوجته ولكنها تربّت في بيته وأمام عينيه وكان موجوداً في كلّ لحظة من لحظات عمرها. وقفوا جميعاً وأخذت الصّورة التذكارية.

ابتعدت «منى» مفسحة المجال أمام رفيقات ابنتها لأخذ الصّور التذكارية وجلست على أقرب كرسي وجدته أمامها. كانت ذكريات الماضي تلح عليها فكبّلتها وغيرت في ذاكرتها مسار الزمن الذي قادها وصولاً إلى طفولتها حيث لحقها اليتم مع إخوتها الأربعة وأذاقها من مرارته ونغّص عيشها ولوّن حياتها بألوان من القهر التي لم تستطع محوها إلا بعد زواجها من «عيسى»، هذا الشهم الذي يقف بجانب ابنتها اليوم.

إنّ وفاة والدها في الحرب اللبنانية كانت علامة فارقة في حياة أسرتها التي لاذت بعد فقد المعيل إلى كنف الجد احتماء من غدرات الحياة والعوز، و لكن ضيق ذات الحال في ذلك الوقت دفع بوالدتها للعمل في مؤسسة للأيتام حيث احتضنتهم و تكفّلت بدراستهم و تأمين أغلب متطلباتهم .

مرّت سنوات، كبرت «منى» مثقلة بتعب والدتها وهمَّ إخوتها وغارقة بشعور من الضيق والوحدة، يكفي أنّها حرمت من منزلها التي كانت تألفه، لتحيا في كنف جد تشعر بأنها وأخوتها عالة عليه.

«منى» لم تعد صغيرة وجمالها بات لافتاً، ومحطّ عيون شبان لا حصانة لها ولا رادع ممّا أثار خوف الجدة والأم معاً. حملت الجدة صورة حفيدتها وسافرت لزيارة ولدها المهاجر مع عائلته منذ عشرات السنين إلى البرتغال علّها تجد حصناً يحمي حفيدتها.

حظيت الصّورة بإعجاب حفيدها البكر. فأسَرَّ إلى جدّته بأنه يرغب الزواج من «منى». فطارت الجدة من الفرح وحملت معها هذا الخبر إلى أرض الوطن كهدية لحفيدتها.

وافقت «منى» على العرض لا حباً بابن عمّها و لكن بحثاً عن دفء افتقدته، وتخلصاً من قلقٍ تملّكها، وأملاً بانتشال عائلتها من شرك عنكبوت الكدح والمعاناة. لم يطل الانتظار وأتى ابن العم وحملها إلى بلاد الغربة الباردة، وهناك راحت تتقاذفها أمواج الواقع المرير فتكسرت أحلامها وآمالها على صخور قسوة الزواج ورعونة شريك العمر الذي اختاره لها القدر، فما كان أمامها إلا أن تخفي جراحاتها وبركان ثورتها عن الجميع متحلّية بالحكمة التي أزكتها في نفسها نار تجربة اليتم التي عاشتها في وطنها بين أسرتها.

أجل صبرت «منى» على تصرفات زوجها الغريبة وأخلاقه التي انحرفت عن مسار الدّين والقيم التي تربّت عليها، وعلى دعم والديه السّافر له، وعلى الامعان في أذيتها والاستهانة بمشاعرها ولكن من دون أن تخسر ثقتها بنفسها وتتنازل عن مبادئها وقيمها.

أثمر زواجها من ابن عمها فتاة جميلة شكّلت الوثاق الذي ربطها بالحياة من جديد بعد أن فقدت الأمل، واستعادت «منى» قوتها وإصرارها على الحياة وقررت العودة إلى أرض الوطن ولكن كيف السّبيل الى ذلك مع زوج يحسب عليها أنفاسها ومعاشها. ولكن حكّمتها وحنكتها ساعداها على إقناع زوجها بعودتها إلى الوطن بحجة زيارة ذويها وجديها.

عادت تحمل معها طفلتها وشجونها لترتمي من جديد في حضن والدتها الدافئ المدمّى بوخزات الألم والمرهق من مآسي الحياة، هي مشتاقة لصدق العاطفة وللحنان ولكنّها قوية لم تهزمها التجربة بل جعلتها أكثر صلابة وحكمة.

بعد أن استقرّت ووضحت أمامها الصورة، تابعت دراستها في دار للمعلمين ونالت شهادة في التربية الحضانية، أحبتها مديرة الدار وأعجبت بسمو أخلاقها وذكائها فتعاطفت معها وطلبت منها تدريس مادة علم النفس التربوي لطالبات السنة الأولى في الدار.

فتح العمل أمامها باباً حرمتها الحياة دخوله منذ زمن، شعرت بالاطمئنان وتعزّزت ثقتها بنفسها وبقدراتها، وأصبحت اليوم مسؤولة وقادرة على إعالة ابنتها ومساعدة والدتها التي تعمل من الصباح حتى المساء لإعالة نفسها ولتأمين بعض حاجات إخوتها.

زوج «منى» طوال هذه المدة لم يستكن ولم يهدأ، كان يطلب منها العودة، مرة بالحسنى ومرة أخرى بالتهديد والوعيد، ولكنها لم تتراجع ولم تنس الأيام الصّعبة والليالي الأليمة التي قضتها معه ومع أهله، أصرّت على الطلاق وكلّفت من يتابع لها القضية واستطاعت أن تثبت للقضاء عدم أهليته لحضانة ابنته أوالتعامل معها كزوجة وربحت دعوى الطلاق.

نالت حريتها بعد ثلاث سنوات من المدّ والجزر وقررت بعدها أن ترمي الماضي وراءها وتنطلق في مسرح الحياة لتأخذ دورها من جديد، وأن تواجه الحياة بصلابة ليس من أجلها فحسب إنما من أجل «شفق» التي أصبحت بعهدتها ومسؤولة عنها بعد طلاقها من زوجها.

شاء القدر أن يطلب «عيسى» من مديرة دار المعلمين التي كانت محطّ ثقته أن تنتقي له فتاة مناسبة ترضى بوضعه وواقعه وهو من تربى في مؤسسة الأيتام التي تعمل فيها والدتها مع أخوته منذ طفولته بعد موت والديه في حادث سيارة مؤلم ولغاية بلوغه سن الرشد حيث عمل موظفاً في المؤسسة نفسها لحسن خلقه ونباهته.

فعندما استعرضت المديرة معارفها وقع اختيارها على «منى» كون شخصيتها تشبه شخصيته وكذلك طباعها وظروف حياتها، سألتها إن كانت توافق على الزواج من شاب اختارته لها. ترددت منى بداية لأنها لا تريد تكرار تجربتها السّابقة ولكن كلام المديرة الإيجابي عنه جعلها توافق ولكن بشرط مقابلته ودراسة أخلاقه قبل أخذ أي قرار يلزمها بالزواج منه.

وافقت المديرة ونقلت الخبر السعيد لـ«عيسى» وطلبت منه الحضور الى الدار للتعرف إليها عن كثب ولكن من غرائب الصّدف أن «عيسى» كان يحضر الى الدار أحيانا لانجاز بعض الأعمال المطلوبة منه، وكان يراها في المكتبة تقرأ وكم تمنى لو كانت من نصيبه ولكنه كان يستبعد الفكرة لاعتقاده أن لا أمل له في ذلك.

بعد أن تقابلا وتعارفا وتصارحا ورسما سويَا طريق مستقبلهما، مشيا معاً يداً بيد وبدأ مسيرة العمر ثلاثة، وها هم اليوم ستة أكبرهم «شفق» التي أضفت على حياة «عيسى» لون الفرح ومعنى الأبوة قبل أن يرى الأبناء من صلبه، إنّ «شفق» اليوم تعرف والدها الذي كان سبب وجودها ولكنّها اختارت أن تبقى مع من احتضنها وسار معها في رحلة عمرها وأمسك بيدها لتتعلم وتعي الحياة قبل أن يسلمها لمن سيصونها ويحفظ كرامتها مدى الحياة.

عادت «منى» إلى واقعها على صوت «عيسى» وهو يدعوها لتقديم هدية الزفاف لـ«شفق» وهي عبارة عن سلسال من ذهب فيه أيقونة كتب عليها عبارة «معاً إلى الأبد».