أميرة

15/4/2016
العدد الرابع والثلاثون -أيار -2018

بقلم الحاجة نمرة حيدر أحمد (أم مصطفى)

إنها من قرية مجاورة لقريتي كنت أقصدها في أيام الصيّف لأشتري من عندها مونة بيتي من الكشك والمكدوس والمربيات، كل ما كنت أعرفه عنها أنّها رفيقة الأرض وصديقة الحقول والبراري، تأنس الوحدة وتألفها، تعشق كلّ نبتة زرعتها، وكل شجرة غرستها وسقتها من عرقها ودموع عينيها، تلقت علومها في مدرسة الحياة وتخرّجت منها بدرجة امتياز في الصبر و الإيثار...

أميرة كما يسمونها لا تعرف القراءة والكتابة، ففقر الأهل وجهلهم جعلاها أسيرة أميّة قاهرة.

شاء القدر أن تفقد والديها معاً في حادثة سير مفجعة، فدفعتها عاطفتها والتزامها الأخلاقي لاحتضان أخويها ونسيان كونها أنثى في ربيع العمر أزهرت مشاعرها وفاح شذاها. أجل لقد جمعت تعب نهاراتها وسهر لياليها باقات تضحيّة قدمتها قرباناً لنجاح مستقبل أخويها.

أميرة باتت مضرب مثل بين أبناء قريتها والقرى المجاورة للأخت المضحيّة المتفانية التي نذرت حياتها لتصل بأخويها إلى برّ الأمان دون أن تحسب لحياتها أي حساب.

          ها هو أخوها فريد قد أكمل دراسته الثانوية وسافر إلى فرنسا حيث أكمل تخصصه وتزوج من فتاة أجنبية .

نسي فريد ما يربطه بأرض هذا الوطن، انقطعت رسائله ومع ذلك بقيت تنتظر وتتقصى أخباره من أبناء القرية العائدين لزيارة ذويهم في أيام الصيف. كبر أخوها الأصغر عصام وكثرت متطلباته، فترك المدرسة باكراً وتنقل من صنعة لأخرى حتى استقر عمله في التجارة، عندها عاش حياته كما يهوى ويرغب وتزوج من إحدى بنات قريته واستقل في حياته.

          لقد غادرعصام البيت أيضاً بعد أن نما زغب جناحيه وتركها لمصيرها، فهي ما زالت في نظره ونظر الجميع الفتاة القوية الصابرة القادرة على إعالة نفسها من دون أن تشكل عبئاً على أحد، لقد هجر البيت وخلفها وراءه وكأنها قطعة أثاث قديمة لم تعد صالحة للاستخدام وغير مواكبة بشكلها وطرازها لمتطلبات العصر، أميرة أصبحت قديمة الطراز انتهت مدّة خدمتها بالنسبة لأخيها الذي قدّر كلفة خدمتها بمبلغ متواضع يرسله لها شهرياً يكفيها كي لا تجوع وتعرى فتحرجه أمام أقارب زوجته وأهل القرية.

بكت أميرة بحرقة لوحدها، فتشت في ماضيها وفي خبايا الذكريات عن مبرر لجحود أخويها ليشفى غليلها فلم تجد، حاولت أن تختلق الأسباب وتنسبها لنفسها كي لا تفقد الثقة بالناس وتدخل في متاهة الكراهية والحقد.

حفظت أميرة لسانها وربطت عقاله بكلمات المحبة والتوكل على الله أمام كل من قصدها وحاول صب الزيت على النار، فهي تدرك وإن كانت أميّة بأنّ الله يراها ويسمعها ويشعر بوجعها وألمها، قرّرت ألا تفتح باباً لليأس في حياتها، يكفيها أنها قادرة على العمل ولا تحتاج أحداً، ولها سقف بيت يحميها احتضن طفولتها وشبابها والآن يشهد مرحلة وحدتها..

لم تتوقع أميرة أن تصفع من أخيها عصام مرتين، مرة عندما هجرها وتركها فريسة الوحدة، والمرة الثانية عندما طالبها بميراثه في منزل والديه وقطعة الارض التي تعتاش منها، لقد كسدت تجارته ويريد التعويض، أبت زوجته أن تبيع مصاغها وحرضته على المطالبة بميراثه.

حاولت الأخت المسكينة أن تدافع عن البيت الذي يأويها ويؤنس بالذكريات وحدتها بالاستعطاف وطلب المساعدة من عقلاء قريتها، ولكن من دون جدوى لأن من تحجرت انسانيته وأعماه الجشع أبى أن يتنازل عن حقّه لمن لها الفضل في تربيته وتربية أخيه.

ربح عصام قضية الميراث واستصدر حكماً بإخلاء البيت، ولكنه خسر في الوقت عينه احترام الناس ومحبتهم وخسر قلباً من ذهب.

أميرة اليوم لم تعد صديقة البراري والحقول ولم تعد رفيقة الغيم وأنيسة شجرات الزيتون واليد الحانية على طرابين الحبق وزهر الفل والياسمين، لقد تركت الماضي وراءها وقررت أن تنطلق من جديد لتبدأ مسيرة البحث عن الوفاء وحفظ الجميل في قلوب صغيرة حرمت الحضن الدافئ وعاطفة الوالدين، علّها تجد من يكمل معها رحلة الحياة الباقية ويعوضها عن قهر سني عمرها الضائع في نفوس جاحدة.

أميرة اليوم التحقت بإحدى المبرات ترعى الأيتام وتتابع مسيرة العطاء التي بدأتها مع أخويها الجاحدين لتنهيها حيث ألهمها الله أن تكون. فالله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.