قصة قصيرة: قرويـة من بلادي

06/09/2016
العددان السابع والثلاثون والثامن والثلاثون شباط-2019

بقلم الحاجة سلوى أحمد عمرو

جارتي أم خليل عجوز ناهزت الثمانين عاماً كانت تحكي لي حكايتها وعلامات الحزن تظهر على ملامحها من جهلها للقراءة والكتابة وعدم معرفتها لإستخدام (الواتس اب) للإطمئنان الى أسرتها الكبيرة وغير ذلك من قضايا جديدة ومستحدثة .

الثمانون عاماً وذكريات أم خليل الحزينة لم تكن مانعاً من حديثها عن حياتها القروية وكفاحها ونضالها في الحياة وكلامها عن رحيل أبي خليل إلى رحمة الله تعالى وهي في الثلاثين من العُمر تاركاً لها ستة من البنين وثلاثاً من الإناث ومنزلاً قروياً متواضعاً مع حانوت صغير كانت تتخذه فُرناً صغيراً لصناعة المعجنّات وبيع المرطبات حيث كان أهالي القرية يقدّمونها على غيرها من أصحاب الحوانيت في الشراء منها لحرصها على النظافة والضيافة حتى استطاعت بصبرها وكفاحها بعد سنوات عِجاف أن تُربّي أولادها على تقوى الله تعالى وطاعته وتجعلهم من أصحاب الإجازات الجامعيّة وأن تزّوج بناتها الثلاث من خيرة شباب القرية... غير أن أولادها الذكور هاجروا لبنان للعمل في ما وراء البحار مع عائلاتهم هرباً من الحرب اللبنانية التي حدثت في أواخر القرن العشرين. وكنت في بعض الأحيان التقي بها فتحدثني بحسرة عن الأيام الماضية وعن التواصل الإجتماعيّ في السنين الخالية لأهل القرية من خلال تزودهم بمياه العين من قبل بنات القرية وأحاديثهنّ الكثيرة أو من خلال مواسم حصاد القمح، أو قطاف العنب، أو قطاف الزيتون، أو قطاف التبغ أو من خلال تعاون النسوّة في الحي على خبز التنّور وغيرها من مناسبات، حيث كانت تشعر معهنّ بالفرح والسعادة التي تغمرها وتغمرُ قلوبهنّ عند طروء كًلِّ حدث جديد ومشاركتهنَّ الحزن والألم عند طروء كُلِّ مُصيبة...

وتنهي حديثها لتخبرني عن شعورها بالوحدة والعزلة لإنشغال النّاس في أيامنا هذه بأمورهم الخاصة كما أنّ هجرة قسم من أبناء القرية إلى العاصمة وهجرة قسم آخر إلى ما وراء البحار في بلاد الله الواسعة ضاعف عزلتها وعُزلة الأهالي عن بعضهم البعض حيث إختفت حلقات السهر والسمر وحلقات الرقص والدبكة في القرية منذ أربعة عقود تقريباً.

ثُمّ أخذت أم خليل بُرهةٍ من الإستراحة مع نفس عميق وقالت: إنَّ ما يزعجها هو هذا الهاتف المحمول فعندما تصادف أحد النّاس لا يعيرها أي إهتمام أو احترام بل يجلس معها ويفتح هاتفه ويتكلم مع الآخرين وكأنها غير موجودة، ثُمّ تسأل نفسها فلماذا إذاً يجلسون معي؟

ولم يَمضِ شهر على هذا الحديث حتى أتى حفيدها يحمل لها هاتفاً جوالاً كهدية للتواصل معه ومع والده وأعمامه. وبدأت الرسائل تردها من أبنائها وأحفادها وذات مرة طرقت بابي فرحة مُستبشرة طالبة إليَّ أن أقرأ لها رسالة (الواتس اب) حتى تسمع أخبارهم وتطمئن الى صحتهم... كما كنت أكتب لها الأجوبة أو تكلّمهم وتبتسم لهم حين ترى صورهم آتية إليها عبر مئات الأميال!!.

وكان أكثر ما يثلجُ صدرها عندما يطلبون إليها أن تُرسل لهم مع أصدقائهم إلى بلاد الإغتراب ما تيسر من الزعتر والكشك والدبس والتين المطبوخ إذ كانت لا تفترُّ من الدعاء لهم ولأصدقائهم الأوفياء.

وذات يوم أتت تحكي لي دخولها مدرسة لمحو الأميّة في القرية التي إفتتحها إمام البلدة للشيوخ والعجائز فشجعتها على الدخول والإنتساب لهذا العمل المبارك طالبة منها الصبر والمتابعة والإهتمام بتعلم الجزء الثلاثين من القرآن الكريم...

ثمّ حدث أن انتقلت إلى العاصمة بعد ذلك لضرورات الحياة. ولم أجلس مع أم خليل إلاّ بعد عام من تاريخه عندما عدّت إلى القرية لقضاء فصل الصيف وكانت أول الزائرين لي حاملة بيدها القرآن الكريم ووجهها يشّعُ نوراً. وبعد إرتشاف القهوة الصباحية بدأت ترتل عليَّ سوراً من القرآن الكريم مما شعرت أنني أجلس مع أم خليل أخرى، أُفكرُّ بمستقبل قريتنا بتفاؤل وخير إن اقتدى شيوخها وعجائزها بهذه العجوز المباركة!.

كما أخبرتني أنَّ إمام البلدة كرّمهم عند الإنتهاء من تلك الدورة وأخذهم إلى أحد المطاعم القريبة من القرية وقدّم لهم الطعام اللذيذ. وعن شهر رمضان المبارك هذا العام ومروره عليها والقرآن الكريم شريكها ورفيقها. وأطلعتني على رسائلها الأخيرة لأولادها وأحفادها عبر هاتفها الجوال. وكيف يتبادلون الرسائل معها. وهمست في أذني قائلةً أن هذه التكنولوجيا الحديثة كلها فائدة لمن أراد ذلك.

وأخبرتني أخيراً بقدوم بعض أبنائها وأحفادها لقضاء الصيف معها بعد أيام قليلة، شاكرةً الله تعالى على نعمه عليها وعلى أبنائها وبناتها وعلى حفدتها وعلى نعمة معرفتها بالكتابة والعلم بعد أن ناهزت الثمانين من السنين حيث أنها سوف تقابل الله تعالى مُطبقةً لوصية رسول الله w في الحثّ على طلب العلم، بقوله w: «طلب العلم فريضة على كل مُسلم ومًسلمة».