آباء وبنون

20/04/2015
العددان السابع والثلاثون والثامن والثلاثون شباط-2019

بقلم: الحاجة نمرة حيدر أحمد

رن .. رن ... رن َ... تكرَّر رنين الهاتف، أسرع حسن من الغرفة المجاورة لمكتبه، ورفع السّماعة، وما ان مرّت دقيقة على المكالمة حتى تغيّرت ملامح وجهه، وخفت بريق عينيه، وارتمى على مقعد مكتبه مُسنِداً رأسه الى سماعة الهاتف التي بقيت في يده، لم يطل الامر أعاد السماعة الى مكانها، لبس معطفه وحمل حقيبته واسرع في الخروج من المكتب.

دخل الى البيت وقد تملكه الّرعب، فوجد والده مُلقى على كنبة في غرفة الاستقبال مُغمىً عليه، وبجانبه والدته تحاول إيقاظه بصفعات خفيفة طالما ذاقت طعمها على خدّها قوية صاعقة.

حمل حسن وَالدهُ على عجل بين يديه وَوَضعهُ في سيارته وسار مسرعاً إلى المستشفى حيث كان ينتظره الطبيب المناوب وثلاث ممرضات. ادخلوه إلى غرفة الانعاش ليجروا له الاسعافات الاولية قبل تشخيص حالته ومنعوا ابنه من الدخول معه.

ألقى حسن بثقله على أَوّل مقعد وجده امامه بجانب الباب. شعر بصخرة ترزح على صدره وكادت الدموع تطفر من عينيه، ها هو شريط الذكريات الذي ينغص عليه حياته عاد ليدور في مخيلته من جديد، فصورة والده وهو يطرده من البيت لأنه دافع عن والدته ما زالت تضغط على جرح ما زال يؤلمه ويقلق لياليه.

لقد تعجب من نفسه كيف أسرع لانقاذ والده الذي رماه في معترك الحياة قبل أن يقسو الزغب في جناحيه.

هل توجيهات والدته ونصائحها أثمرت في داخله وبنت صرحاً من العطف على والده لا يبرز للوجود إلا في مثل هذه المواقف الحرجة؟ اجل... قالها في نفسه وهو يتنهد: «هذا نتاج نصائح أمي تلك المرأة الجبارة التي تحملت غرور والدي وعصبيته، واهماله لواجباته كأب وزوج ومعيل لاسرة وصبرت موكلة أمرها الى الله عزَّ وجل. ومع كلّ ذلك كانت تحنو عليه عندما يمرض، وتؤمن له كلّ ما يرغب تحاشيا لترددات غضبه علينا».

لم يتحمل أبي ان يراني أحنو على أمي وأقف مدافعاً عنها أمام لطماته، فطردني في ليلة ليلاء وأنا في آخر عام دراسي لي في الجامعة لأجد نفسي وحيدا في الشارع غاضباً خانقاً على الدنيا يائساً لا أعرف إلى من الجأ وكيف أتصرف وأنا لم أر من الأقارب من يدخل منزلنا نتيجة تصرفات والدي. ولكن اتصالا من زميل لي يقطن في بيت للطلبة مجاور للجامعة في ذلك الوقت غيّر مسار حياتي. فشاركته السكن ومسار الحياة ورحت أعمل ليلا وأتابع دراستي نهاراً.

كنت اتواصل مع أمي التي اصيبت بانهيار عصبي عقب هذه الحادثة لاطمئنها عني ولاطمئن على اخوتي الأربعة.

إن طردي من المنزل جعل أخواتي البنات يعشن حالة من الخوف والرعب، ويبتعدن عن مناصرة أمّي خوفا من لكماته وردات فعله.

أنهيت دراستي وتخرَّجت ولم يسال عني يوماً، وكأن وجودي في حياته كان يشكل عبئاً عليه، لم يحضر حفل تخرجي الذي دعوته إليه عبر بطاقة دعوة، لأنه لم يرد على اتصالي. عودنا والدي ان نعتذر منه ونشعره بسلطته وإن كان هو المخطيء، ونحن على صواب. لقد حاول أن يربي في داخلنا نوعا من الخنوع والذلّ والخوف، ولكن حُبيّ لوالدتي وتعاطفي معها، جعلاني أكسر القيد وأتحرر من العادة التي غرسها في أعماقنا.

قطع شريط ذكرياته المريرة وحديثه مع نفسه صوت الطبيب وهو يقول لهحمداً لله على سلامة والدك لقد أنقذته في اللحظة الاخيرة . .. قدمنا له الاسعافات اللازمة وسننقله الآن الى غرفة العناية الفائقة للمراقبة حتى يزول الخطر عنه

شكر حسن الطبيب على اهتمامه وعنايته بوالده، وسأله إن كان بامكانه الدخول للإطمئنان عنه، فسمح له الطبيب شرط عدم إطالة المكوث عنده.

إنّ الانقباض الذي كان يشعر به وكاد يخنقه، راح يزول شيئا فشيئا بعد سماع ما قاله الطبيب عن والده.

اقترب من باب الغرفة وفتحه بهدوء و كـأنه يتهيب لقاءه، كانت دقات قلبه تطرق بسرعة وتدفق الدمّ في عروقه بدا واضحًا في احمرار وجههه، كيف سيستقبله أبوه؟ ماذا سيقول له؟ هل سيسعد لرؤيته؟

صوت والده أعطاه الجواب: «اقترب يا بني.... تعال». دون ان يدري طفرت الدموع من عينيه، إنها المرة الأولى التي يسمع فيها كلمة يا بني، لقد استنهضت هذه الكلمة ورنة صوت والده مشاعره وكوامن ذاته. اكمل سيره باتجاهه، حتى وصل فوق رأسه، انحنى و قبل جبينه وقال له: «حمداً لله على سلامتك».

شعر بيد أبيه تمسك بيده وتضغط عليها بقوة انهكها المرض، وتدعوه للجلوس، فجلس على الكرسي وبقيت يده بيد والده .. رعشة غريبة سرت في جسده، وحنين تماوج في حناياه فأوجع قلبه، فودّ لو يصرخ ويبكي... ويحضن والده... يعاتبه .. يخبره عن آلام وأوجاع دفينة انعكست في تصرفاته وفي رؤيته للناس وللحياة.

قطع والده حبل تفكيره وثورة مشاعره قائلاًاشكرك يا بني لقد انقذت حياتي في الوقت الذي افسدت عليك حياتك، ان عقاب الله قريب، إن غفونا عن خطايانا فهو لا يغفو ولا يهمل. لن أقول لك شيئا يكفيني أن أقرأ ما في عينيك لأعرف ما في داخلك، سامحني يا بني واطلب لي الرّحمة».