صورة من صور الحياة - الأبوة رعاية وحنان لا تسلّط ومال

15/12/2014
العدد الرابع والثلاثون -أيار -2018

بقلم: الحاجة نمرة حيدر أحمد(1)

من أمرّ تجارب الحياة واصعبها، تلك التي تدفعك لوداع حبيب ووضعه تحت الثرى، ليضمه قبر اختصر مسيرة العمر ورحلة الحياة. فلا يبقى لك منه سوى واحة من الذكريات، تلجها عندما يشتد بك الشوق والحنين، لترتشف من معين حبه الذي لم يخبُ وهجه حتى بعد الرحيل.

هيثم ابن السابعة عشر ربيعاً احتفل بعيد مولده منذ يومين، ولكن كان القدر له بالمرصاد، فبالأمس أطفأ شمعات عمر مضى، واليوم يعيش انطفاء شمعة الحب التي كان يركن اليها لتضيء أمامه سبل المستقبل، وترفع له مشاعل الامل بالغد الزاهر.

لقد وقف لساعات طويلة بين عمومته وأقاربه يتقبل العزاء بأبيه، رفيق دربه وسند حياته، وبقي كذلك حتى انصرف الجميع من حوله بعد ان قدموا له أرقى عبارات العزاء والمواساة، وعرضوا عليه خدماتهم وفق ما تقتضيه الأعراف والعادات في مجتمعنا.

حلَّ الليل بعد يوم حمل له من الكدر والشجن ما يعجز جبل عن حمله... بقي وحيداً تحوطه والدة مفجوعة بشريك العمر، وأخت صغيرة شاء القدر الا تكمل مسيرة عمرها مع أب حنون عطوف يحميها من قساوة الزمن.

في صدر هيثم حمم بركان من الحزن والالم، ان استطاع ان يريح جسداً اضناه الوقوف والتعب طوال اليوم، فكيف يمكنه ان يريح قلباً تكويه جمرة الأسى، فتهيج في اعماق نفسه شجوناً وآلاماً لا يقوى مخلوق على حملها.

أوهم هيثم والدته بأنه سيخلد للراحة ولا يريد ان يزعجه أحد. دخل غرفة نومه، وبعد ان تيقن ان لا احد يراه، خرج خلسة من الباب الخلفي للبيت، لم يكن يريد ان يترك والده وحيداً في ليلة رحيله الأولى. ولن ينام من دون أن يعبّر له عن حب مدفون في اعماقه لم يترجمه أمامه يوماً بكلمات، لاعتقاده ان المحبة بين الاب وابنه لا تحتاج الى مفردات لاظهارها، فالمحبة تعبر عن ذاتها بذاتها، بملامح الوجه والتصرفات والحركات وفي المواقف. ولكن هذه المرة اختلف الوضع فوالده لم يعد يرى ألوان المحبة تتوهج في ملامح وجهه، ولا في حرارة يديه، ولا في حركاته وسكناته، لقد أصبحا في عالمين مختلفين، وسبل التواصل بينهما اختلفت، وجاء دور الكلمة لتكون هي الرسول اليه.

ربيع صديق هيثم الوفي والثري الذي يقاسمه المقعد الدراسي منذ سنوات، علم بوفاة والد صديقه فأبى إلا ان يكون بجانبه في هذه المحنة الصّعبة، فلازمه طوال اليوم، كان ربيع على يقين بأن حزن هيثم وصدمته بفقدان والده سيدفعانه للقيام بتصرف غير متوقع بعد مغادرة الجميع، فهو يعرف طباعه جيداً، لذا قبع في زاوية بجانب بيت هيثم تجعله يرى الداخل والخارج منه.

لقد حصل ما توقعه ربيع، إذ رأى صديقه يتسلل خلسة من المنزل متجهاً نحو جبانة القرية حيث دفن والده، فلحق به من دون أن يراه، وانتظر جانباً يراقبه، وهو يرتمي على القبر وقد اجهش بالبكاء، ليروي الثرى بسيل من دموعه الممزوجة بعبق الحب والحنين، لم يشأ ربيع أن يترك صديقه على هذه الحال فريسة الحزن والالم لفترة طويلة، فاقترب منه رويداً كي لا يخيفه واحتضنه بين ذراعيه، وراح يربت برفق على كتفيه ليتشارك معه مرارة علقم الفراق.

مرت لحظات من الصمت الموجع قطعها ربيع بقوله: إنّ الموت حقّ يا صديقي، وخُطّ على جبين ابن آدم منذ ولادته وتنشقه الحياة، فعليك أن ترضى بقضاء الله وتصبر وتتقبل الواقع لتكمل المسيرة التي بدأها والدك، ولتقف بجانب والدتك واختك الصغيرة التي ما زالت تحتاج الى الرعاية والحنان.

تنهد هيثم ونظر الى صديقه بعينين التمع فيهما بريق الوجع الأليم وقال: أتعرف يا ربيع مَنْ ضمّ هذا القبر بين جنباته؟

لقد ضمّ الدفء الذي أذاب جليد عمري، واليد الحانية التي تمسح على رأسي لتكللني ببركتها.

أبي يا صديقي كان وسادة عمري التي ألقي عليها كلّ همومي وشجوني لارتاح، والأذن التي سمعت همس ألمي فواستني، وصدى صمتي فآنستني، ما يعزّ عليّ أنّه لم يؤنبني يوماً بكلمات جارحة، وعبارات مسمومة، كانت نظرته الحانية كافية لتجعلني أدرك رأيه فأطيعه من دون أن أدري... مناقشاته وحوارته معي كانت مصابيح تنير ما أظلم من زوايا عقلي، وترتقي بروحي، وتسمو بنفسي.

تصوّر انّه كان يرتضي الحرمان رفيقاً في حياة فتحت له ذراعيها بمباهجها، لأَرتاد انا وأختي ارقى المدارس، وليؤمن لنا أفضل سبل الحياة.... لم يشعرني يوماً بثقل المسؤولية الملقاة على عاتقه وهو الموظف البسيط الذي كان يطير راتبه من بين يديه قبل ان ينعم بدفئه... لم يشكُ من آلام كانت تتآكل جسده كي لا يدخلنا دائرة الخوف والقلق عليه.

أنا لست مثالياً يا صديقي، فعصبيتي مشهودٌ لها، وتهوري في بعض المواقف لا يوصف أحياناً، ومع ذلك كان يتقبل رعونتي برحابة صدر، يتفهمني، وبأسلوبه المحبب ورواياته الحكيمة الممتعة والمؤثرة كان يجعلني أشعر بفداحة خطئي، فأطأطئ رأسي خجلاً من تصرفاتي، عندها يقترب مني ويحضن وجهي بين راحتيه ويرفعه قائلاً: لا تطأطئ رأسك إلا لخالقك... ولكن يا بني عليك ان تتعلم من أخطائك، فليس كلّ الناس كوالديك يصبرون على سوء تصرفك.

تعوّد يا ولدي أن تضبط مشاعرك، وتلجم غضبك، لأنهما الطريق الاسرع للوصول إلى المهالك حيث لا ينفع الندم.

أبي يا صديقي ترجم الأبوة بكل معانيها ومفرداتها، لم يكن تكفله برعايتي ودفع نفقات تربيتي سبباً لفرض سلطته الابوية علي، ولإذلالي وتعييري، بل كانت الابوة بالنسبة اليه تكليف إلهي، ورسالة حب مقدّسة، وعملية بناء انسان سيشكل استمرارية لوجوده وفكره وقيمه. ألا يستحق ابي ان ابكيه واندبه العمر كله.؟!

كانت عينا ربيع المغرورقتين بالدموع مسمرتين على شفتي هيثم وهو يجسد عظمة أبوة والده.

وعندما أنهى هيثم كلامه قال له: حقاً يا صديقي أصبحت يتيماً بفقد والدك، ولكن بعد الذي ذكرته لي عن ابيك شعرت بمدى يتمي ووالدي ما زال على قيد الحياة..

صحيح ما قلته إن الابوة ليست تكفلاً بالمال وممارسة لسلطة قامعة، ولكن الابوة تكفل للولد بالوقت والعاطفة والرعاية والتوجيه وهذا ما احترمته منذ نعومة أظافري، فالأجدى أن ابكي نفسي كما تبكي على والدك اليوم لأن ما ذكرته عنه كان حُلماً بالنسبة لي، حتى ظننت انه غير موجود وطموحي يتخطى الواقع...

الهوامش:

هي إبنة بلدة كفرسالا ـ عمشيت، أكملت دراستها الثانوية في ثانوية جبيل الرسميّة، ونالت إجازة الآداب من الجامعة اللبنانيّة، دخلت عالم التربيّة والتعليم منذ عشرين سنة، في مدارس المبرّات الخيريّة، تُعرف بالحاجة «أم مصطفى» نمرة حسين حيدر أحمد، شاركت في تأليف كتب التربيّة التكامليّة، لها عدّة مشاركات في التأليف الحر. وهي قرينة المُرَّبي الكبير الأستاذ الحاج زهير الحيدري.