حيث لا ينفع الندم

9/10/2017
العددان الثلانون والواحد والثلاثون ايلول-2017

 بقلم الحاجة سلوى أحمد عمرو

شاهدتها في زاوية من زوايا المدينة بالحديقة العامّة، قابعةً وحيدةً فريدةً تبكي بتحسّر وحرقة، واضعةً يدها على فمها حتى لا يسمع أحد صوتها.

إقتربت منها قليلاً فوجدتها في العقد الخامس من عمرها، ثيابها تدلُّ على أنّها من أهل العلم والمال.

إقتربت منها وجلست قربها سائلةً إياها عن سبب هذه الوحدة وهذا البكاء...؟

نظرت إليَّ وتمعنت بي بعد أن تنفست الصعداء ماسحة دموعها بمنديل قماش كانت تحمله بيدها اليمنى، أجابت:

نشأت في كنف أبوين قرويين فقيرين وأشقاء خمسة. كان هدف والديّ من هذه الحياة تربيتي وتعليمي مع أشقائي حتى نُصبحَ ذوي شأن في القرية وفي المجتمع وعلى أمل أن نعوضهما أيام الفقر والصبر...

وقد وفقني الله تعالى للتفوق الدائم في دراستي الإبتدائيّة والثانويّة ولنيل المنح الدراسيّة كل عام ولأخذ منحة جامعيّة للدراسة في عاصمة الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة ـ طهران مع تلامذة آخرين من وطني العزيز لبنان.

وفي طهران وفقني الله تعالى للإقتران بزميل لي من بلدي يتابع دراسته في طب الأسنان وذلك بعد موافقة ورضى الوالدين في لبنان ومباركتهما لهذا الزواج.

وقد رجعت إلى أحضان الوطن العزيز مع زوجي وطفلين جميلين رزقنا الله تعالى إياهما، لأعمل مديرة للقسم النسائي في أحد مستشفيات المدينة كما إفتتحت عيادة خاصة بي. وأمّا زوجي فلم يتوفق للعمل إلاّ ببعض المستوصفات الفقيرة... وقد وفقني الله تعالى للشهرة والمال حتى كنت أدفع إيجار المنزل وفرشه وتأثيثه وأقوم بتلبية حاجات والديّ وأشقائيّ وزوجي وابنائي دون تردد.

بينما كان زوجي يقضي معظم أوقاته بالإهتمام بالطفلين وبتحضير الطعام وكنت مسرورة بذلك غير مُلتفتة وغير آبهة بما يجب عليّ تجاه زوجي وتجاه الطفلين، مُنشغلة عن ذلك بحضور بعض المؤتمرات العلميّة والظهور بالحلقات التلفزيونيّة أو المجلات...

وفوجئت ذات يوم بخبر من الجيران أنَّ زوجي إقترن بزوجة أخرى وإنتقل معها ومع الطفلين للسكن والعمل بمدينة أخرى. وأقام عليّ دعوة شرعيّة طالباً مساكنتي في منزله الجديد مع تلك المرأة!!...

أخذ مني الغضب مجراه إذ شعرت بالإهانة والتحقير بعد هذه السنوات من الدراسة والعمل!!... وقد تقدّمت بالطلاق الخلعي متنازلةً له عن جميع حقوقي الشرعيّة مع حقي في حضانة طفليّ... وهكذا كان...

وها انذا نادمةً... مرهقة... تعبة... قلقة ... بعد هذه السنوات على تفريطي في حقوق زوجي وطفليّ... حيث لا ينفع الندم...