مدخل إلى السيرة الذاتيّة لعلاّمة المعيصرة قاضي الطائفة الإسلاميّة الشيعيّة في كسروان وجبيل

25/11/2019
العددان التاسع والثلاثون والاربعون تشرين الاول -2019

للعلاّمة الشيخ حسين أحمد شحاده صاحب ورئيس تحرير مجلة  المعارج القرآنيّة وأمين عام  ملتقى الأديان والثقافات للتنميّة والحوار في لبنان

بيني وبين سماحة العلاّمة المحقق والفقيه القاضي الدكتور الشيخ يوسف عَمرو صلة قربى روحيّة وعلميّة في الدراسة بين بيروت والنّجف الأشرف.

عرفته فتىًّ وطالباً من طلاب المعهد الشرعيّ ومن المتفوقين بمختلف دروسه التي كان يلقيها سماحة العلاّمة المرجع السيّد محمّد حسين فضل الله (رضوان الله عليه).

وعرفته كاتباً وباحثاً نهل من ثقافته ومن فكره ومن مجلته «إطلالة جُبيليّة» جيلٌ كاملٌ من الأساتذة وطلاب المعرفة، وكان أطال الله في عمره المبارك أكثرنا حيويّة، وأكثرنا عطاء في إبراز محاسن الإسلام على نهج أئمة أهل البيت i، وقد أغنى المكتبة الإسلاميّة بمؤلفاته العلميّة والتاريخيّة والأدبيّة المتميزة بعمق مقارباتها لقضايا لم يتطرق إليها أحدٌ من قبله بخاصيّة إيجابيّة تلتصق بمنهاجه في التحقيق والتوثيق وكشف غوامض القيم والمفاهيم المتصلة بتراث أهل البيت i، في سواحل كسروان وجباله وبلاد جبيل.

منذ مسيرته الأولى في حاضرة النّجف الأشرف والتي جعلت منه واحداً من المُشار إليهم بثقة المرجعيّة العليا ما تميَّز به قلمه الصادق وأبحاثه المضيئة بدعوته إلى التقريب الإسلاميّ ـ الإسلاميّ، والحوار المسيحيّ ـ الإسلاميّ.

شكلّت في بواكيرها دعوة جريئة إلى نقد الذات من موقعه كصديق لرؤساء الطوائف والمذاهب الدينيّة في لبنان.

وكان علاّمة الحوار بعقله النقدي الواسع، حريصاً على احترامه لآراء الآخرين، وقبول الإختلاف في أساس إيمانه بكلمة التوحيد وتوحيد الكلمة. ينبذ التعصب الدينيّ والسياسيّ ويبنيّ ثقافة التسامح من منطلق إيمانه بأنّ الإختلاف في الدين أو المذهب لا يستدعي القطع مع المختلفين، فانبثقت بين يديه رسالة العيش المشترك من خلال استحضاره لمواقف أئمتنا i، ودورهم التاريخيّ والإستثنائيّ المهم في حفظ الوحدة الإجتماعيّة للأديان. فلم تكن قراءته لتاريخ المذاهب الدينيّة قراءة عادية ولم يكن هدفه المفاخرة بمذهبه، بل كان هدفه القيام بمقارنات تكشف عن جوهرة القيم المشتركة لمواجهة تحديات الفتن والإنقسام بين أبناء الوطن الواحد فتحوّل بيته ومسجده ومكتبه إلى منبر التقى فيه العلماء والأدباء والشعراء من مُختلف الأديان والمذاهب.

وعلى كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة ساهم شيخنا الجليل بتأسيس المشاريع الخيريّة والثقافيّة والتربويّة. وتوجيه جهوده في البحث والكتابة إلى ما يثري الحياة الإجتماعيّة في مسقط رأسه بالتنميّة البشريّة وتوسيع آفاقها ودوافعها موجهاً صرخته ضِدَّ الظلم وضِدَّ الفساد وضدَّ الإضطهاد. إلاّ أنّ الأهم في مشواره الصعب الإفساح في المجال أمام نهوض المرأة لكي تساهم بدورها في بناء الأُسرة والمجتمع، مُعتبراً أنّ الدفاع عن حقوق المرأة هو الوجه الآخر للدفاع عن حقوق الطفولة ومستقبل المجتمع.

تلك هي الإضاءات التي تميّزت بها سيرة الشيخ المجاهد والتي جعلت منه منارةً في حياة اللبنانيين على امتداد سنواته الحافلة بالعمل الرسالي.

عرفته منذ الستينيات في القرن الماضي لا بحكم زمالة الدراسة فحسب، بل بحكم علاقته التي كانت تربطه بوالدي، فقيد المنبر الحسينيّ (رضوان الله عليه).

ما زلت احتفظ في مكتبتي بمقالاته ومؤلفاته النوعيّة، وعدد من الوثائق الصادرة عن كبار مراجع النّجف وقم المُقدسّة والتي نوّهت من وقت مبكر بإسم الشيخ يوسف عَمرو الأمين على حفظ تراث أهل البيت i، في لبنان الشمالي وذلك في أحلك الظروف وفي حدود إمكاناته المتواضعة التي أسرج من أحزانها وآلامها قناديل الصبر والثبات فإذا هو بشخصيّته الوفاقيّة أمثولة تُحتذى لمن يريد أن يعتلي المنبر أو يحمل القلم.

كثيرة هي رمزيات العلاّمة الشيخ يوسف عَمرو في أنشطته وندواته ومؤتمراته التي وضعته في مقدّمة علماء المقاومة وعلماء التجديد.

وعلى طباع أخلاقه وتواضعه ترك لنا هذا العصامي فريدة من فرائده أن يكون الدين من أجل الإنسان، إنسان التقوى، وإنسان الإستقامة على قاعدة الحديث النبويّ الشريف:«إنما بُعثت لأُتمم مكارم الأخلاق».

للمعيصرة.. مواسم الروح في زمن لا ينقصه إلاّ روضة العلم بل وروضة التدين الذي خطفته حركات التطرف فردّه الشيخ المُصلح يوسف عَمرو إلى ينابيعه الصافيّة بالحكمة والموعظة الحسنة.

وأراني في هذه اللحظة الوجدانيّة أدعو تلامذته ومُحبيه إلى حفظ محاضراته وجمع وقفاته كلها في كتاب تضيئه للتاريخ سيرته الذاتيّة، وعنوانها الأبرز: خبرته الروحيّة التي أينعت فأثمرت في حدائق الوطن شجرة طيبة وكلمة طيبة ترتدي سنابل الخير، ولا تكُفُّ عن العطاء.

الشيخ حسين أحمد شحاده

بيروت ـ الغبيري الواقع فيه ٥ مُحرّم ١٤٤١هـ

المصادف للرابع من شهر أيلول (سبتمبر) ٢٠١٩ م.