تحية إكبار للقاضي الرئيسة جوسلين متى

25/6/2018
العدد الرابع والثلاثون -أيار -2018

بقلم: الأستاذ فوزي عساكر(1)

عندما يتحوّل العقاب إلى مدرسة يسود العدل وتبنى الأوطان، تحية إكبار للقاضي الرئيسة جوسلين متّى.

كتب الزميل الأستاذ فوزي عساكر في مجلته «العالميّة» خبراً نادراً من نوعه أصدرته القاضي اللبنانيّة الأسبوع الماضي على ثلاثة شبان مسلمين. اساؤوا لمريم العذراء. فبدلاً من الزّج بهم في السجن بتهمة ازدراء الدين. ألزمتهم بحفظ آيات من القرآن تُمجّد العذراء وابنها أطول سورة في الكتاب الكريم. هي «آل عمران» المكونة من 200 آية وحفظاً عن ظهر قلب.

الحكم الذي أثار ضجة إيجابيّة في لبنان ولاقى استحساناً من أعلى المستويات. أصدرته قاضيّة التحقيق في مدينة طرابلس جوسلين متى. وتأثر به رئيس الوزراء اللبنانيّ سعد الحريري. فأسرع إلى منصته في «تويتر» وحيّاها بتغريدة إلى جانب كلمات كتبها رئيس الوزراء الأسبق نجيب ميقاتي في حسابه «الفايسبوكي»أيضاً، وحيّاها رئيسا الوزراء الحالي والأسبق على قرارها.

والمعروف عن سورة آل عمران « احتواؤها آيات، يخصُّ بعضها السيّدة مريم والمسيح. بدءاً بشكل خاص من الآية 23 إلى الآية 59 من السورة. ومنها ما نقرأه في الآية 42 و43 من التنزيل:}وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ{. كما ورد في الآية 45 ـ 46 ـ 47 ـ 48 ـ 49: }إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ{.

ثُمّ تأتي بعدها آيات غنية بتمجيد «رسول الإسلام» ومنها: }إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُم ْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ{ سورة آل عمران الآية 55.

}إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ{ سورة آل عمران، الآية 59؟

القانون مدرسة وليس سجناً

والقاضي جوسلين متّى. هي من بلدة «عمشيت» البعيدة في الشمال اللبنانيّ 37 كيلومتراً عن بيروت، وحين مثل أمامها الشبان الثلاثة «بتهمة إهانة الأديان» لم تَجد أفضل من أن تطلب منهم «حفظ قسم من القرآن الكريم من سورة آل عمران ليتعلموا تسامح الدين الإسلاميّ ومحبته للسيدة العذراء.« القانون مدرسة وليس سجناً فقط». وفق تعبيرها عند لفظ الحكم على من لم تطلق سراحهم إلاّ بعد أن سمعت كلاً منهم يقرأ الآيات غيباً أمامها.

ومن الّذين تأثروا بحكمها. كان وزير الدولة لشؤون مكافحة الفساد اللبنانيّ نقولا تويني، فوصفه بحضاريّ. وقال في ما قرأته «العربيّة نت» من تصريحه في وسائل إعلام محليّة: «نهنئ القاضي عليه. كما يعتبر قراراً تأسيسياً يفتح مجالات قضائيّة مبتكرة لِمعالجة المشاكل الإجتماعيّة وحالات التعصب الدينيّ».

أُسرة مجلة «العالميّة» بدورها تقدّر ما قامت به القاضي جوسلين متى. وتؤكد على قولها:«عندما يتحول العقاب إلى مدرسة، يسود العدل وتُبنى الأوطان».

وكم نحن بحاجة إلى هذه الثقافة الأخلاقيّة التي تؤسس لتوعية المخطىء. فلا يقترف خطأه بدافع التعصّب الأعمى عن غير معرفة.

مع جوسلين متى. القضاء بخير. ولبنان القادم... بخير.

 

الهوامش:

(1) الأستاذ فوزي عساكر رئيس التحرير والمدير العام لمجلة «العالميّة» الصادرة في بلاط ـ جبيل، العدد 133 شباط 2018م. ص 5. والسيدة جوسلين متّى هي قاضي التحقيق في شمال لبنان وكلمتها عن تجربتها القضائيّة كانت في اللقاء الذي نظمه «معهد باسل فليحان المالي والإقتصادي» التابع لوزارة المال، إحتفالاً بيوم المرأة العالميّ.