مفتي الديار المصريّة و«نهج البلاغة»

18/5/2017
العددان الثلانون والواحد والثلاثون ايلول-2017

إعداد هيئة التحرير

جاء في مقدمة شارح «نهج البلاغة» مفتي الديار المصريّة الإمام الشيخ محمد عبده q (1)

وقد عني جماعة من أجلّة العلماء بشرح الكتاب، وأطال كل منهم في بيان انطوى عليه من الأسرار، وكل يقصد تأييد مذهب وتعضيد مشرب. غير أنّه لم يتيسر لي ولا واحد من شروحهم إلاّ شذرات وجدتها منقولة عنهم في بطون الكتب، فإن وافقت أحدهم في ما رأى فذلك حكم الإتفاق، وإن كنت خالفتهم فإلى صواب ـ في ما أظن ـ على أنّي لا أعدّ تعليقي هذا شرحاً في عداد الشروح، ولا أذكره كتاباً بين الكتب، وإنّما هو طراز لنهج البلاغة وعَلمٌ توشّى به أطرافه (2).

وأرجو أن يكون في ما وضعت، من وجيز البيان، فائدة للشبان من أهل هذا الزمان، فقد رأيتهم قياماً على طريق الطلب، يتدافعون لنيل الأرب من لسان العرب. يبتغون لأنفسهم سلائقَ عربيّة وملكات لغوية، وكل يطلب لساناً خاطباً، وقلماً كاتباً، لكنهم يتوخّون وسائل ما يطلبون في مطالعة المقامات وكتب المراسلات ممّا كتبه المولّدون، أو قلدهم فيه المتأخرون. ولم يراعوا في تحريره إلاّ رقة الكلمات، وتوافق الجناسات، وانسجام السجعات، وما يشبه ذلك من المحسّنات اللفظيّة، والتي وسموها بالفنون البديعية. وإن كانت العبارات خلواً من المعاني الجليلة، أو فائدة الأساليب الرفيعة.

على أنّ هذا النوع من الكلام بعضُ ما في اللسان العربيّ وليس كل ما فيه، بل هذا النوع إذا تفرّد يعدّ من أدنى طبقات القول، وليس في حُلاه المنوطة بأواخر ألفاظه ما يرفعه إلى درجة الوسط، فلو أنّهم عدلوا إلى مدارسة ما جاء عن أهل اللسان، خصوصاً أهل الطبقة العيا منهم، لأحرزوا من بغيتهم ما امتدت إليه أعناقهم، واستعدّت لقبوله أعراقهم. وليس في أهل هذه اللغة إلاّ قائل بأنّ كلام الإمام عليّ بن ابي طالب هو أشرف الكلام وأبلغه بعد كلام الله تعالى وكلام نبيّه w، وأغزره مادة وأرفعه أسلوباً وأجمعه لجلائل المعاني.

فأجدر بالطالبين لنفائس اللغة، والطامعين في التدرّج لمراقبها أن يجعلوا هذا الكتاب أهمّ محفوظهم، وأفضل مأثورهم، مع تفهّم معانيه في الأغراض التي جاءت لأجلها، وتأمل ألفاظه في المعاني التي صيغت للدلالة عليها، ليصيبوا بذلك أفضل غاية، وينتهوا إلى خير نهاية، وأسأل الله نجاح عملي وأعمالهم، وتحقيق أملي وآمالهم » ].

الهوامش:

(1) نهج البلاغة»، شرح الإمام الشيخ محمد عبده ـ دار القارئ ـ بيروت، ط. 1428هـ. 2007م. ص 8 ـ 9.

(2) العَلَم: ما ينصب في الطريق ليهتدى به.