كُن في هذه الدنيا كعابر سبيل

22/1/2018
العددان الثاني والثلاثون والثالث والثلاثون كانون الثاني -2018

 

بقلم الحاج الأستاذ عبد الوهاب شقير

 

منذ نعومة أظافري كنت شديد الحرص على الجلوس والإستماع إلى شيوخ قومي في بلدتي الصوانة وعلمات وجوارهما من قرى في بلاد جبيل وإلى كلماتهم وأحاديثهم الجميلة وإستشهاداتهم على كل حكمة وموعظة أو إستشارة بآية من القرآن الكريم أو بالحديث الشريف للنبيّ w، أو ببعض كلمات الإمام عليّ t، أو ببعض أبيات من الشعر العربيّ الجميل.

 

وكان المغتربون الناجحون في الحياة من أبناء بلدتي ومن سائر المناطق اللبنانيّة الّذين عشت معهم في الولايات المتحدة الأميركيّة أو في الخليج العربي أو التقيت بهم في طريق العمرة أو الحج أو في المؤتمرات أو اللقاءات على قدر كبير من الأمانة والصدق والمحافظة على جودة البضاعة والمصداقيّة مع النّاس والوفاء. حتى كان إسم اللبناني أو الصناعة اللبنانيّة أو الإنتاج اللبناني في الخمسينيات أو الستينيات من القرن العشرين موضع إحترام وتقدير من جميع النّاس.

 

وكان حديث أولئك الرواد الأوائل تذكير الشباب اللبنانيّ في بلاد الإغتراب حول الأمثلة الشعبيّة التي كانت عند أسلافنا حول القناعة والصدق والمروءة والتسامح والمحبّة والتعاون والإستشهاد بالحكايات والمأثورات... بين الأمس واليوم.

 

والشيء الذي يُفاجأ به أبناء جيلي وقد تجاوزت الثمانين من العمر هو الإنحطاط الأخلاقي عند مُعظم شباب اليوم من الّذين يتعاطون السياسة أو التجارة أو الصناعة أو الوظائف العامّة، حيث أصبح الكذب والغش ومخالفة القوانين المرعيّة الإجراء والرشوة وغيرها من الموبقات، هي ديدنهم وخبزهم اليوميّ يتفاخرون بها ويسخرون من المحافظين على الأخلاق والقوانين المرعيّة الإجراء.

 

وجاءت الأفلام والمسلسلات التلفزيونيّة والبرامج التي تدعو للإباحة وإشاعة الفحشاء والمنكر وغير الأخلاقية باللغة العربية أو المترجمة للغة العربيّة لتزيد الطين بلّة وليكون الأبطال الوهميون هم المثل الأعلى.

 

وبعد، فنحن نستطيع التخلّص من الرشوة في الدوائر الرسميّة بالرجوع في جميع معاملاتنا إلى البريد حيث لا يرى الموظف المراجع إلاّ في القضايا القضائيّة، تماماً كما الحال في كثير من البلاد الأوروبيّة والأميركيّة. كما نستطيع التخلص من الهدر المالي والضياع بواسطة الشركات الكبرى دون أن نكلّف خزينة الدولة قرشاً واحداً كما هي الحال في الدول المتقدّمة، كمصلحة سكك الحديد المعطلّة في بلدنا الحبيب لبنان منذ أكثر من أربعين عاماً، فتستطيع الدولة اللبنانيّة بعث الحياة بها وتطويرها من جديد بالمناقصة العامّة وعرضها على الشركات العالميّة الكبرى. والشركة التي تفوز بالعرض تقوم بإصلاحها وتطويرها وتشغيلها مدّة مُعينة ثُمّ ترجع إلى مصلحة سكك الحديد، بعد سنوات مُتفق عليها، ملكاً للدولة اللبنانيّة. وهكذا نستطيع أن نحارب الرشوة والهدر المالي والفساد. كما نستطيع أن نحارب الكذب والسرقة وسوء الأخلاق عند الأجيال بالوعظ والإرشاد من خلال الكنيسة والمسجد والمدرسة والجامعة ومن خلال الرقابة على وسائل الإعلام المرئيّة والمسموعة وعلى المطبوعات تماماً كما كان الحال سابقاً، لإننا في هذه الحياة ضيوف وعابرو سبيل، مصداقاً لقوله تعالى عن النفس الإنسانيّة  قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى{ سورة الأعلى، (الآيات: 14،15،16،17،18،19).