التكنولوجيا نعمة أم نقمة

25/3/2019
العددان السابع والثلاثون والثامن والثلاثون شباط-2019

بقلم المربية الأستاذة الحاجة نمرة حيدر أحمد

رحم الله عهداً مضى يوم كان للكلمة سطوة وعزّ، وللنظرة مهابة وسلطان، و «للنحنحة» تفسيرات وتفسيرات لها معجمها الاجتماعي الخاص.

فكلمة «عيب» كانت كافية ليصيبك الأرق أياماً، ولتجعلك تعتزل النّاس لتراجع تصرفاتك وتدرس خطواتك قبل أن تعود من جديد لتمحو صورة تصرّف أو موقف كان يُعتبر عيباً في عُرف الناس.

كان المرء يجاهد و يكافح ويحرص على كلّ ما يصدرعنه صغيراً كان أم كبيراً ليكون حَسَن السّمعة والصيت، لم يكن يعنيه أن يكون صاحب ثروة ومال وجاه، ولكن جلّ همه أن يكون كريماً مقداماً ووجيهاً في بيته عزيزاً بين أهله وجيرانه.

أذكر من أيام الطفولة مواقف كانت محطات شكلت حياتنا وشخصياتنا وأدّخرناها في أعماقنا لتكون معياراً بنينا عليه لتربية أطفالنا وتحصينهم قبل انطلاقتهم في الحياة.

من المؤسف اليوم أن نجد متفلسفين في مجتمعنا يدّعون التطور وهم أبعد النّاس عنه، وينسون وضاعة تصرفاتهم وإنحرافها عن المسار الخلقي الطبيعي للبشر بحجة متطلبات هذا العصر.

يقولون لك «الزمن تطوّر» ونحن نواكبه وينعتونك بالتخلّف إن عارضتهم وسلكت غير مسارهم وتمّسكت بقيمك ومبادئك التي تربيت عليها.

لا شك انّ تطور التكنولوجيا الذي طال كل القطاعات من دون استثناء ودخل الى حياتنا الخاصّة والاجتماعية والمهنية من الباب الواسع واستحوذ على معظم وقتنا إن لم نقل جلّه، يُعتبر خير دليل على قدرة عقل الانسان على الابداع والتغيير في حال ركز بصيرته وأحسن البحث والتفكّر، فالله عز وجل ميّز الانسان بعقله عن باقي مخلوقاته وبلسانه الذي يترجم ما في هذا العقل وما في الوجدان.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هل أحسنّا إستثمار هذا التطورفي حياتنا؟ وهل عكسنا ناتجه رقياً في أفكارنا وتصرفاتنا وعلاقاتنا الاجتماعية والعملية؟ هل وظّفناه لنتخطى مشاكلنا ونقترب من الخالق المانح عزّ وجل أكثر فأكثر؟ كلها أسئلة تحتاج إلى تفكّر واستبصار لمعرفة معالم الطريق.

سآخذ مثالا بسيطًا من حياتنا الاجتماعية وأنتم عليكم إطلاق الحكم على المنحى الذي ننحاه في ظل سيطرة التكنولوجيا في تفاصيل يومياتنا. الجميع في بيته تلفاز أو أكثر بحسب وضعه الاجتماعي وقدرته المالية، يقضي أمامه أطفالنا وقتًا ليس بقليل، يشاهدون مسلسلات، وبرامج مسمومة مشوهة أبعد ما تكون عن مسار القيم الذي رسمناه لأطفالنا. و لكن الخطورة ليست بإضاعة الوقت فقط ولا بعدم الرقابة على ما يشاهدون ولكن في عدم مناقشة أبنائنا وبناتنا بالمنحى الاجتماعي والخلقي السّلبي المنحرف لهذه المسلسلات وفي عدم تدريبهم على التفكير الناقد لإثارة وعيهم حول كل ما يرونه أويسمعونه؟ هل لفتنا أنظارهم إلى نوعية الألفاظ التي تستخدم أوالمواقف التي يحاولون تعزيزها في نفوسهم ويحثونهم بشكل غير مباشرعلى القيام بها على اعتبار أنها عادية وشائعة حتى ولو كانت خارج إطار قيمنا وعاداتنا.

لنتوغل في الأمر أكثر من ذلك كم من طلاب المدارس والجامعات وكم من الآباء والأمهات يقضون وقتهم على وسائل التواصل الاجتماعي (الواتس أب والفايس بوك) يمارسون ألعاب عُنف منتشرة في مجتمع الشباب كالنار في الهشيم تعزز الميل للعنف والقتل وتربطهم بأشخاص ليسوا من مستواهم الأخلاقي والعلمي من أعراق مختلفة أكثرهم مندسين هدفهم تقويض دعائم مجتمعنا وهدم شبابنا وتعويدهم على الخمول والتقوقع بعيداً عن الحياة الاجتماعية.

أكثر من ذلك قلة مِنَ الآباء اليوم يمكنهم التدخل في حياة أولادهم بشكل مباشر من دون أن يلقوا صداً منهم أو يسمعوا عبارة لا شأن لكم في حياتنا، ونحن أحرار بتصرفاتنا مع العلم أن هؤلاء الشباب ما زالوا تحت رعاية أهلهم يرتعون بخيرهم ويقتاتون بثمرة تعبهم، وأحيانا يتجاوز الأمر عند البعض منهم إلى حد الشتائم والسّباب غير اللائق الذي تعودوا التلفظ به من خلال الألعاب الإلكترونية أو من خلال الشاشة الصغيرة التي تغزو كلّ بيت. قلة من الشباب في هذا العصر يتلفظون بألفاظ لائقة وراقية تعكس سمو أخلاقهم وأدبهم.

أين الدولة من كلّ ذلك؟ أين دور رجال الدين؟ أين المصلحون في المجتمع؟ أين مسؤولية الإعلام الملتزم؟ هل بُحّت الأصوات أم أصبحت أسيرة الرفاهية المادية وسجينة خوفها وضعفها؟ هل ما نراه اليوم هو مخطط له من قبل عقول شريرة أم نتيجة تهاون مجتمع ودولة وسوء في تخطيط للحفاظ على الإنسان روحًا وعقلاً، هذا الإنسان الذي يعتبر أهم ثروة في الوجود؟

فلننظر إلى حياتنا الإجتماعية هل أصبحت أفضل في ظل هذا التطور السريع والمخيف في التكنولوجيا وصرنا نشعر بالأمن والأمان والطمأنينة والرفاهية في حياتنا اليومية؟

ما حصل يا أعزائي كان عكس ذلك إذ كثرت الحروب وزاد العنف والاجرام افتقدنا الأمن والأمان وزادت ضغوط الحياة والمشاكل النفسية التي انعكست على صحة الانسان وراحته وعمّ الفساد فزادت نسبة الفقر في العالم وما زالت الأمية متغلغلة في أقطاره.

إن التكنولوجيا التي أراحت أجسادنا ويسّرت أمور حياتنا وربطتنا بالعالم وأباحت لعيوننا ما كان في عقولنا حلمًا، تغذت من صحتنا، وسرقت وقتنا، وقضمت هناءة عيشنا، وفككت أسرنا، وطوّقت قيمنا ومسختها لتكون بحجم مصالح الأفراد والحكام والدول.

متى الخلاص من مساوئ التكنولوجيا؟ وكيف يمكننا أخذ أجمل ما فيها وترك كلّ ما عدا ذلك؟ هل من أمل أم فات الأوان؟