تكريم الأحباء

9/10/2017
العددان الثلانون والواحد والثلاثون ايلول-2017

للأستاذ يوسف حيدر أحمد

يتحفنا بديع ابو جودة دائماَ بإطلالاته الإنسانيّة، عندما يتذّكر الشخصيات التي عرفها وعاشرها وأحبّها. فكتب عنها بما يليق بتلك القامات الطيبة والوازنة.

صحيح أنّ بديع ابو جودة هو أديب ومفكر، ورائد البيئة الأول في لبنان والعالم منذ ستينيات القرن الماضي، لكن الصحيح أيضاً هو أنّه رائد في المحبّة والوفاء والإنسانية والإخلاص للآخرين.

وعندما قَوَّمْتُ كتابه الشيق «أحياءٌ بعد الرحيل» والذي تحدّث فيه بحبِّ وحنان عن أصدقاء ومعارف رحلوا مُعدداً مآثرهم، ذكرت له يومها بأنَّه «اذا كان الوفاء، وعرفان الجميل، وتذكار الأحياء للأموات جميلاً وعظيماً، فالأجمل منه والأعظم يكون بتكريمهم وتذكّرِهم، وهم أحياء، كيما يشعروا، وهم في عزِّ عطائهم، أو في شيخوختهم، أنّهم اذا ما رحلوا عن هذا العالم، رحلو مطمئنين، على أنَّ حياتهم في هذه الدنيا لم تكن سديمية أو عبثية.

وها هو ذا اليوم، بديع أبو جودة، يؤكد ويطبق ما أشرت اليه آنفاً، فيبرز لنا الوجه الآخر المشرق، والمضمّخ بعطر الوفاء والإخلاص في تكريم الأحباب والأصدقاء الأحياء، وفي مقدّمتهم الأستاذ أسعد حجل، الذي دعا بديع الى تكريمه في قصر العماد إميل لحود للمؤتمرات ـ ضبيه في 20 نيسان 2017.

كما يذكر، فالمُحتفى به الأستاذ مسعد حجل، هو شخصيّة كارزمية مُستنيرة، تستحق التكريم بجدارة، لأنّه رجل مثقف عصامي، وطني إجتماعي وإنساني معطاء.

وكانت الهندسة الزراعيّة التي عشقها الأستاذ حجل وامتهنها قد قرّبته إلى الله، من خلال علاقته الحميمة بالأزهار والأشجار والمشاريع الزراعية الخضراء الجميلة وحرَّضته على التأمل والتفكر في عظمة الله في مخلوقاته وهذا السلام الداخلي الذي اكتنزه مع الله، أبعده عن الطائفية وصراعاتها المذهبية البغيضة.

معتبراً ان الطائفية أساس كُلِّ صراع وتنازع، مؤكداً على ذلك بقوله «ليس الله طرفاً في أي نزاع، الله هو للجميع».

ويذكّرنا بديع، بأن عصامية الأستاذ حجل وعمله الدؤوب، وإخلاصه في كل ما يقوم بأدائه من مهام، جعله يتسنَّم أعلى المراتب الوظيفية في السُلَّم الإجتماعي، فمن مهندس زراعي مُتعدد المواهب والأنشطة، الى أمين عام للحزب السوري القومي الإجتماعي، ثم رئيساً له. ورئيساً للجامعة اللبنانية الثقافية في العالم، ونائب رئيس الصليب الأحمر في الكاميرون ـ وقد نال على عطاءاته الجمّة، التكريم والعديد من الأوسمة من رؤساء الجمهوريات ومباركة قداسة البابا بولس السادس.

ويشعر بديع بأن ثمة مفاهيم مشتركة تربط بينه وبين الأستاذ حجل، فيخاطبه، وكأنما يخاطب نفسه قائلاً «أنت الكبير الذي ربما لن يتكرر».

بينك وبيني وحدة روح في الإنفتاح والتسامح والعطاء البيئي، وعشق القيم وسمو الأخلاق.

فاذا كان المُحتفى به، يستحق هذا التقدير والإجلال فإن مكرِّمه، لا يقلُّ عنه قيمة وتكريماً، ما دامت المحبّة والإنسانيّة والوطنيّة والعصاميّة، وحبُّ البيئة، والعطاء المتجدد، هي كلّها قيم تؤاخي وتوحد بين هذين القطبين.