ذكرى "أربعة أيوب" في الرملة البيضاء بيروت المحروسة (1)

9/10/2017
العددان الثلانون والواحد والثلاثون ايلول-2017

بقلم مؤرّخ بيروت المحروسة الدكتور حسّان حلاّق

شهدت بيروت المحروسة عبر تاريخها الطويل كثيراً من العادات والتقاليد التي اندثر بعضها، ولم يبق في الأجيال المعاصرة من يعرف شيئاً عنها.

ومن العادات البيروتية التي اندثرت وبقيت في البال ذكرى «أربعة أيوب» حينها كان أهل بيروت المحروسة يقيمون منذ ما قبل الإسلام الذكرى تكريماً للنبيّ أيوب (ع)، لشدّة صبره واحتماله المصاعب والأمراض والشدائد التي مرّت به، واستمرّ مؤمناً صابراً، مثلاً يحتذى في الصبر، وشاع في بيروت المثل القائل «يا صبر أيوب»} وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ{ سورة ص، الآية 41. وفي قوله تعالى: } وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين َفَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ{ سورة الأنبياء، الآية 83 ـ 84، كما ورد ذكره في سورة النساء، الآية 163، وسورة الأنعام، الآية 84.

وقيل إنّ النبي أيوب (ع) نُصح بالقدوم من فلسطين إلى بيروت المحروسة وجبل لبنان للاستشفاء في مناخه الملائم. ومكث مدّة على شاطئ بيروت المحروسة من الرملة البيضاء حتى حنتوس (منطقة الإمام الأوزاعي حالياً). وكلُّ مرّة يسبح على شاطئ الرملة البيضاء سبع مرّات على سبع موجات، لأن الرقم (7) من الأرقام المحبّبة والمباركة في جميع الأديان ومنها الإسلام، وبتكرار السباحة والاغتسال بالمياه العذبة بالقرب من «مية الدالية» مع الدعاء شُفي النبي أيوب. وَنُصِحَ في ما بعد بالتوجه نحو جبل لبنان لاستكمال شفائه، فصعد إلى منطقة نيحا - الشوف حيث وجد المناخ الملائم، فأقام فترة يغتسل بمياه المنطقة حتى حصل الشفاء التام، ثم عاد إلى فلسطين حيث تُوفيَّ. وكما أهل بيروت المحروسة عملوا على تكريمه لمئات السنين بإحياء ذكراه، كذلك أهل منطقة نيحا أقاموا له ضريحاً ومزاراً بإسم «النبي أيوب» وتُقيم الطائفة الدرزية عيداً سنوياً له يحتفل به أبناء المنطقة، كما يقومون بزيارته في عيد الأضحى المبارك، وفي المناسبات الدينيّة والاجتماعيّة لدى طائفة الموحدين الدروز.

واعتاد البيارتة في حالة إصابة الرجال والنساء أو الشباب أو الأولاد بأي سوء (عدم الزواج، عدم القدرة على الزواج، عدم الإنجاب، القرينة، التلبس، وغيرها...) أن يتجهوا إلى شاطئ البحر، على أن يسبح المصاب سبع مرات على سبع موجات ـ اقتداء بالنبيّ أيوب ـ مع تلاوة القرآن الكريم على نية الشفاء أو تحقيق المُبتغى.

وارتبطت بـ«أربعة أيوب»، حلوى اعتاد البيارتة طبخها ـ ولا يزالون ـ وهي «المفتقة» المؤلّفة من: أرزّ وطحينة وسكر وعقدة صفراء مع رش الصنوبر فوق الصحون الممتلئة بها، وتصادف الذكرى الأربعاء الأخير من شهر نيسان من كُلِّ سنة، والمثل الشائع كما هو معلوم «مية نيسان بتحيي الإنسان». كما اعتاد البيارتة جمع مياه نيسان وشربها، كما اعتادوا عدم الكنس والمسح والشطف في بيوتهم في هذا اليوم لئلا يفور النمل، مما يدعوهم للتشاؤم.

وفي «أربعة أيوب» يتوجّه البيارتة رجالاً ونساءً بمأكولاتهم وفي طليعتها المفتقة إلى منطقة الرملة البيضاء، كما أن الأولاد يطيّرون طياراتهم الورقية في السماء، وحتى قبيل عام 1958م كانت السيدة حدرج عيتاني (الست حدرج) تقود العائلات البيروتية من مناطق رأس بيروت والحمراء وعائشة بكار والزيدانية ورمل الظريف في تظاهرة حاشدة إلى الرملة البيضاء لإحياء الذكرى العظيمة لنبيٍّ من الأنبياء زار بيروت ونزل فيها، يسبق ذلك منذ ما بعد صلاة الفجر تذكير ودعوة الناس للمشاركة في الذكرى. كما تدعو السيدة خديجة لبش (خديجة سلام) وشقيقها حسين لبش الأهالي من البسطة التحتا والبسطة الفوقا، وبرج أبي حيدر والمناطق المحيطة بها للنزول إلى الرملة البيضاء للمشاركة في ذكرى «أربعة أيوب». أما منطقة الطريق الجديدة وأبو شاكر والمزرعة فقد كانت تترأس الدعوة السيدة أم زكّور بُخاري (والدتها من آل دوغان).

والملاحظ أن النساء البيروتيات اللائي يتميّزن بالقدرة والجرأة والقوة الشعبية هن ممن يترأس هذه التظاهرات الشعبية، لأنهن أكثر قدرة على التعاطي مع نساء الأحياء والأطفال والأولاد، وبدون هذه المجموعات الاجتماعية لا يمكن إقامة مثل هذه الذكرى. بالإضافة إلى «المفتقة» كان أهل بيروت المحروسة يتزودون بالبطاطا المسلوقة والبيض المسلوق والكبيس، والفول بالأرز والفول الأخضر، وأم قليبانة والنعومة والترمس والكعك وغزل البنات وسواها.

وهذا اليوم يعتبر «ظاهرة شعبية»انفردت بها بيروت المحروسة مع «المفتقة» دون سائر المدن والحواضر اللبنانيّة والعربيّة. وشهدتُ هذه الاحتفالات لما كنت طفلاً، كنّا ننزل مع ذوينا وأقربائنا وجيراننا من الطريق الجديدة إلى الرملة البيضاء عبر الرمال والكثبان من عائلات: المدور، حمزه، مكاري، عبود (العسل)، المصري (السنغال)، بدران، الهندي، الأسير، عضاضة، دوغان، بكداشي، بليق، حميدي صقر، ذو الغنى، سنو، الدامرجي، الرفاعي، سعادة، الحوت، الإمام، لاوند، زين، أولاد أبو جبران توما، قباني، حبلة، الربعة، كتوعة، الأسير الحسيني، الجمّال، شاتيلا، السوسي، فتوح، الشاويش، سلام، البدوي، الشمعة، الجندي، العاصي، المغربي، عيتاني، منيمنه، الداعوق، المغربل، الدنا، الكُبِّي، الطويل، سوبرة، العتر، العرب، الصيداني، السمّاك، طبّارة، طيارة، نعماني، صبرا... الفيل، حمد، والمئات من العائلات البيروتية من مختلف شوارع الطريق الجديدة ومناطق بيروت المحروسة (أعتذر لعدم ذكر جميع العائلات البيروتية المشاركة). ولم تكن في المنطقة أي أبنية أو بيوت، وكانت تمتد جغرافية «أربعة أيوب» من الرملة البيضاء حتى موقع «المطعم الصيني» اليوم. وأذكر «أن آخر مرة احتفل أهل بيروت بهذه الذكرى في نيسان 1958، وفي أيار من العام ذاته وقعت أحداث 1958، وبدأت تتلاشى الذكرى التي كانت من الأجمل في بيروت المحروسة».

والأمر الملاحظ أن ذكرى «أربعة أيوب» لا تزال تقام في أكثر من منطقة في العالم الإسلامي مثل منطقة العريش المصرية، وفي مدن فلسطين، ولا يزال قائماً حتى الآن ضريح النبي أيوب في استانبول تكريماً له ولذكراه(2).

ونظراً لأهمية هذه الذكرى، وتعميقاً لانتماء البيارتة إلى مدينتهم بيروت المحروسة، وتنشيطاً للذاكرة التاريخية، فقد تداعت بعض الجمعيات البيروتية بهمة نائب بيروت الأسبق الأستاذ عدنان عرقجي و«رابطة أبناء بيروت»، وعملت في السنوات الأخيرة ـ ولا تزال ـ على إحياء هذه الذكرى، مع إحياء مظاهرها القديمة بما فيها توزيع «المفتقة» وكلمة تاريخية لي توزّع مطبوعة، وذلك في منطقة الرملة البيضاء. لذلك، فإني أدعو البيارتة لإحياء هذه الذكرى وسواها من الاحتفالات التراثية، تأكيداً على إنتمائهم لبيروت المحروسة، وتأصيلاً للتراث البيروتي الأصيل، كي تنهض بيروت من كبوتها، فتعود كريمة، أبية، أصيلة، محروسة كما كانت على مرَّ العصور، خاصّة أن الأمم التي لا ماضٍ لها لا حاضر، ولا مستقبل لها.

 

الهوامش:

(1) المصدر جريدة «اللواء» تصدر عن «دار اللواء للصحافة والنشر ش.م.ل. بيروت»، الأربعاء 26 نيسان 2017م. الموافق 29 رجب 1438هـ. الصفحة الأخيرة.

(2) يقول القاضي الدكتور عمرو مُعلّقاً على ذلك:[« المقام الموجود في مدينة «استانبول» هو للصحابي الجليل أبي أيوب الانصاري (رض) الذي استشهد على أبواب القسطنطينيّة في حصار المسلمين لها في الصدر الأوّل للإسلام. كما هو معروف ومشهور. كما أنّ هناك عين مياه معدنية ولها خصوصيّة مقدّسة عند المسلمين والمسيحيين في منطقة خليج جونية ـ منطقة الشير ـ تُدعى بالباطية يأتي إليها المرضى والعجزة والمصابين بالكبسة والعين والجلطة ويغتسلون بمياهها ومياه البحر سبع مرات أو أقلَّ من ذلك طلباً للشفاء. ولعلَّ هذه العين القريبة من مدينة بيروت من بركات النبيِّ أيوب (ع)، والله تعالى أعلم.