ذاكرة علمات الشعبيّة

15/12/2014
العددان الثلانون والواحد والثلاثون ايلول-2017

الأستاذ المربي محمد علي حيدر عوّاد

محراث خمسينيات القرن الماضي قد اهترأ وقلَّ وجوده. ومناجل الحصيد قد صدئت وقلَّ نظيرها. وبيادر لا نعرفها سوى بالإسم. والطرقات طرقات الحافر والرجل ضاعت مراسمها ونبت عليها الشوك والشجر البري. فلا المارة تسمع ضجيجهم ولا صدى لحوافر الأبقار والحمير والماعز التي كانت ترن في مسامعنا؛ حتى الطيور من أنواع أبو الحن وأبو بليق وطيور اسحاق ويعقوب في وطى يعقوب قد انقرضت. وغابت مع منتصف القرن العشرين بيادر الغلال في بقعاتا وغاب معها ضجيج الأهالي وتعاونهم على رفع المذراة لتصفية القمح الحلال. كانت الغلال تنقل بعد تصفية كل بيدر أواخر الصيف على ظهور جمال عرب اللقلوق. وكان أبو خضيِّر معقل الجمال يبيت في غطاء «الكك أو الكيك» في العراء. كان عداد الجمال بين الثلاثة والعشرة حسب مقدار الغلة في كل موسم من المواسم. واذكر أن والدي المرحوم علي حيدر عوّاد «أبو محمد» ينزِّل خمسة وثلاثين شنبلاً (1)من القمح في مواسم الخير. وكانت قافلة الجمال كأنها شاحنات تأتي من الجرد، وكان يدخل الدار كل جمل بمفرده إلى منزلنا في علمات عبر بوابة واسعة ويركع في وسط الدار وتنزَّل العدال(2) وتفرغ في غرفة خاصة كإهراء للحبوب وتحفظ في مستوعب كبير من الخشب «صندوق الغلة» رحمات الله على تلك الأيام أيام البركة، ليتها تعود علينا فننعم بالخير وراحة البال.

كانت الحياة كدّاً وجدّاً لزراعة المواسم وحصادها وبالتالي جمعها وتحضير المؤونة لأيام الضيق في الشتاء. كانت الغلال تُخزَّن في صناديق القمح ويملأ التَّبان بالتبن علفاً للأبقار والدّواب.

كان التعاون رائد جميع النّاس، ويتلاقون في الأعياد والمناسبات العامة مع صفاء البال وراحة الضمير. يتواعدون على تعمير ادراج الطرقات وتعزيلها بعد كل شتاء. أمّا الناطور وصفاراته فكانت ترعب الرعاة وتمنع اعتداء مواشيهم على الزروع والأملاك المغروسة والأحراج البريّة المقطوعة. عند بدء موسم الحصاد كان المزارعون يتنادون ويتواعدون للخروج في يوم مُحدد لتأمين الطرقات بين حقول الزرع وحصاد المسافات المحددة من موسم القمح رفعاً للتعدي واتلاف الموسم حين مرور النّاس في حقول بعضهم البعض. وكان القصد لا غصباً ولا تعدياً بل حباً ووئاماً.

آه ـ آه ما أجملها تلك الأيام أيام طفولتي حيث كنت صغيراً أذهب إلى المدرسة ذات المعلم الواحد والغرفة الواحدة والمتعددة الصفوف ويأتي دور الصف كلٌّ في وقت متتابع. وكان الوالد يقرض عليَّ في كل صباح بأنني ذاهب إلى المدرسة كي أتعلم لا لألعب أو لأضيع الوقت مع الأولاد. كان يهددني بأن الحقل ورعاية الماشية ينتظرانني في حال الفشل وعدم النجاح. أمّا أيام العطل فلا بقاء في المنزل بل الذهاب برفقته إلى الحقل للعمل في الزراعة وتعمير حفافي الجلول وغرس نصوب الأشجار المثمرة من تفاح وكروم عنب أو تنظيف الأرض واعدادها للزرع في مواسم لاحقة.

كانت الكرامة مصانة والحبُّ والإحترام متوافرين بين أفراد العائلة. يتجاوب الصغير مع الكبير ويحترمه. ولا يعنّف الكبير الصغير إلا لسبب فيه خطأ كي يعلّمه ويجنبه اذية الآخرين.

كانت الحياة تقليديّة والأسفار قليلة حتى أن الإنتقال بين القرية والمدينة كانت قليلة وكان الإعتماد في الدخل والإقتصاد على محاصيل الزراعة وتربية دود الحرير والماشيّة وصناعة الفحم. كانت الحاجات بين القرى تؤمن غالباً بتبادل السلع. وكان التجار المحليون يتعاملون مع آخرين من خارج القرية كوسطاء بين المنتجين والتجار الكبار.

كانت وسائل النقل الميكانيكيّة قليلة وتختصر بثلاث بوسطات: بوسطة يوسف عبده، وبشاره منصور وبشاره أسعد من بلدة قرطبا القرية المجاورة لعلمات. لا أحد في القرية يمتلك سيارة صغيرة في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي. كانت السيارات الصغيرة الخاصة مرتفعة الأسعار ولا قدرة مادية لشرائها من قبل الأفراد. وفي الستينيات من القرن الماضي قصد كثير من أبناء قريتي إلى العاصمة بيروت للعمل في معامل جبر وغندور وسواها. بعضهم توّظف في سلك الدرك والجندية والحراسة، والمتعلمون الحاصلون على شهادة البريڤه وما فوق توظفوا في وزارة التربيّة. كان القصد تغيير نمط الحياة وتمكين الأبناء من الذهاب إلى المدارس في المدن بقصد تعليمهم في مدارس خاصة ورسميّة قد تكون أفضل من مدرسة القرية.

إنتشر أبناء علمات خارجها ومنهم من سافر إلى البلاد العربيّة النفطيّة أو إلى البلاد الأوروبيّة أو الأمريكيّة. فرغت القرية من أبنائها ولم يبق إلا بعض الأفراد وبعض العجزة خلال أحداث 1975م. ولم يعودوا إليها إلا مع إطلالة العام 1990م. حيث عادت الروح تَدْبُّ من جديد وأصبحت تباشير النظام ونهاية الأحداث تلوح في الأفق.

عاد مهاجرو قريتي وعاد حنينهم إلى علمات وأخذوا يبنون بيوتاً لهم فيها. ازداد عدد سكانها إلى أكثر من ثلاثة أضعاف، وازداد تعداد المنازل بالنسبة ذاتها وأكثر.

أمّا من الناحيّة الإجتماعيّة فقد تغيّرت الذهنيّة القرويّة والإنسانيّة فكانت في البداية تقليديّة عاديّة فيها التقارب والمحبة البريئة واللاتفاوت في الذهنيات أو مستوى الحياة. وأصبحت اليوم فيها التباعد الذهني والنفسي وقلة الإندماج الإجتماعيّ.

بنظري إن هذا تحصيل حاصل بالنسبة للتطور، فلم يكن وليد البيئة الحاضنة المحلية. إن الجيل الجديد نتيجة تمحور بيئات مختلفة وثقافات متعددة وأخلاقيات أعني بها سلوكيات وعادات وتقاليد بعيدة عن بعضها بعضاً وأتت إلى بيئة محدودة بالمكان والزمان. هذا محلي يعتبرونه جامداً ومحافظاً بنظرهم متخلفاً ومحدوداً.

أمّا العائدون فيتباهون بما كسبوه من أموال أو بما اقتنوه من سيارات حديثة ومراكز مرموقة في تجارة قاموا بها واربحتهم أو وظيفة مكنتهم من التعاون مع مراكز أقوى ومرموقة.

ولا ننكر لمواطنية البعض واحترامهم للإنسان وما اكتسبوه من تواضع وأخلاق رفيعة. جلَّ ما نقول بأن الفوارق الإجتماعيّة أصبحت لافتة في قريتي وأن الحقوق الفرديّة والأنانيّة متأصلة وما زالت الروح القبليّة والحزبيّة موجودة ولكنها متناغمة وفي طريقها للإندماج والتقارب ولو بتقارب جد بطيء.

ما أتمناه لأبناء قريتي علمات العودة إلى الأصالة وروح التعاون التي كانت سائدة في ماضيهم وأدعوهم للإندماج في ما بينهم أكثر وعدم الإبتعاد عن بيئتهم الجبيليّة والتقارب مع الآخرين بروح من المحبة والتعالي الإنسانيّ والسمو نحو المواطنة الحقة؛ وإلى التنبه للأجيال الحديثة والتركيز على الأصالة مع الأخذ بروح العصر. أعني الفكر العلمي المنبثق عن شرعة حقوق الإنسان وبناء المواطن الصالح الذي يصبو إلى بناء الوطن على الصح.

معتبرين الكذب على الآخرين كذباً على النفس ذاتها. والصدق صدقاً مع النفس ذاتها. بناء إنسان صغير لنصل إلى إنسان ناضج كبير. وكي نجد إنساناً كبيراً بمعنى إنسان الوطن المتطور المتقدم يجب علينا أن نبني طفلاً صادقاً خلوقاً متطلعاً لحياة أفضل.

هكذا تتطور الأوطان ببناء أجيالها على التعلق بروح المعرفة وحب الوطن. فلقد سبقتنا الأمم الغابرة والمعاصرة حيث بنت انسانها قبل حجرها.

وفي النهاية يتمثل إليّ قول الفيلسوف اليوناني ارسطو: «أعرف نفسك». فالمجتمع الذي يعرف نفسه يعرف العالم.

والحضارة مداميك تبنى حجراً إلى جانب حجر. فلا شيء يصير مع فراغ النفس والروح. فالكل يساعد الكل والأوطان تتقدم بفعل تعاونها. والتأسيس على الوعي والإتحاد وحب الوطن.

 

 


منظر لجانب من بلدة علمات