المظلة

25/11/2019
العددان التاسع والثلاثون والاربعون تشرين الاول -2019

بقلم الحاجة سلوى أحمد عمرو

جارتي شيماء عرفتها منذ نعومة أظافري، أراقبها وأنظر إليها تسير رويداً رويداً في أزقة قريتي مع مظلّتها المبرقعة بألوانها الأربعة، كنت أراقبها من شرفة منزلي، وهي تُلقي تحيتها الصباحيّة على كل من تصادفه في الحي دون تكلّف أو تزمت. كما كانت تتكلّم مع شيوخ القرية وعجائزها بعد إلقاء التحية، وتلاطف الأطفال وتلاعبهم. حيث كانت الإبتسامة لا تفارق ثغرها أبداً وكانت تختم كلامها دائماً بحمد الله تعالى، وشكره على كل حال عندما تُسأل عن صحتها وحالتها!.

وبعد إقتراني وزواجي وإنتقالي إلى قرية أخرى وابتعادي عن قريتي وشؤونها، عدت إلى بلدتي وبإحدى المناسبات الدينية لزيارة والديَّ، قد فوجئت بوجود جارتي القديمة شيماء، قد أضحت عجوزاً وهي ترتشف القهوة مع والديّ، ومظلتها القديمة ذات الألوان الأربعة بيدها كعادتها الدائمة!.

بعد السؤال عن صحتها سألتها عن سبب إصطحابها الدائم لمظلتها هذه؟

أجابت بتعجب أنّ هذا السؤال لم تُسأل عنه من قَبلُ أبداً!

فابتسمت لها مكررة السؤال؟

طأطأت رأسها قليلاً... بعد أن أخذت نفساً عميقاً... والإبتسامة تعلو ثغرها وقالت: يا بنيتي هذه المظلّةُ أحملها طيلة العام، وبفصول السنة الأربعة... إنّها مظلّتي تقيني من حرِّ الشمس في فصل الصيف... أمّا في فصل الخريف فتقيني وَتُبعِدُ عني الرياح والغبار... ويأتي فصل الشتاء حاملاً الأمطار الغزيرة والثلوج... فتحميني منه... ومن بعده يأتي فصل الربيع حيث استمتع بحملها وأنا أتأمل هذا الفصل... وانتعش بنسيمه العليل... ورائحة عطره المنبعثة هنا وهناك من الورود والأزهار والأشجار... أقف مع مظلّتي أتأمل هذا الجمال ... أتكلّم معها... وتُكلّمني..

بُنيتي من دون مظلتي أكاد أن أفقد شخصيتي!!... وأحملّها أسراري... وهمومي... بصمت.

ربُّ الأسرة هو مظلّة لأسرته... صاحب الشركة والمعمل هو مظلّة للعمال...، المدير في المدرسة مظلّة للأساتذة وللتلامذة...، القانون مظلّة ومقنن للعدالة... كما أنّ رئيس البلاد يكون ايضاً مظلّة لشعبه... بل كًلّ فئة من النّاس أو طائفة أو جماعة لهم مظلة...

إمّا أن تكون هذه المظلّة نافعة لما تعنيه ومفيدة للمجتمع، أو فاسدة لما تحمله من عيوب وشجون!!...

من دون هذه المظلّة نفقد الترتيب الإداري... وتعمُّ الفوضى في حياتنا...

وبعد هذه الجلسة مع شيماء تعلّمت منها أنّ المظلّة التي تحملها تعني الكثير الكثير لها... بالإضافة إلى رمزية ألونها الأربعة!...