أمين الريحاني وبعض قرى الشيعة في بلاد جبيل وكسروان

06/09/2016
العددان الثلانون والواحد والثلاثون ايلول-2017

إعداد هيئة التحرير

الأديب اللبنانيّ الكبير الأستاذ أمين الريحاني هو من أشهر الرحّالة العرب في مطلع القرن العشرين حيث جاب بلاد العرب من المغرب إلى مصر إلى اليمن إلى الحجاز إلى نجد إلى العراق إلى فلسطين إلى لبنان طلباً للحقائق العلميّة والتاريخيّة والثقافيّة.

وكتب عن تلك الرحلات في الصحف والمجلات العربيّة والأجنبيّة. كما قام من بعده ولده الأستاذ البرت بجمع تراث والده وطباعته وإخراجه.

وكان لمتصرفيّة جبل لبنان ولتاريخه ولجباله ووديانه حصة الأسد في موسوعته تحت عنوان «قلب لبنان».

وقد قام برحلته إلى بلدة بشري وأرزها الشهير في عام 1907 إنطلاقاً من بلدته الفريكة في المتن الشمالي. وكان رفيقه في تلك الرحلة أقلامه ودفاتره والمكاري «محبوب» وبغلته «محبوبة» وقد تكلّم في هذه الرحلة عن بعض قرى الشيعة في الفتوح وبلاد جبيل على الشكل التالي:

أفقا: كان أمين الريحاني مشتاقاً لزيارة بلدة أفقا ومغارتها التي ينبع نهر ابراهيم وينطلق منها. كما تحدّث عن آثارها الفينيقيّة والرومانيّة، ولكن جُبن المكاري محبوب وخوفه من أهالي أفقا كان حاجزاً بين الريحاني ورغبته. حيث قاللقد مررنا بآثار اليونان والرومان في نهر الكلب، ونحن الآن مشرفون على فينيقيّة المتجسّدة في هذا النهر الحامل اليوم إسماً سامياً ولكنه غير فينيقي.

أمّا المغارة فهي اسمها أقرب من النهر إلى مصدر قداستها، ولولا جُبن المكاري محبوب لكنا واصلنا السير في الطريق العالي إليها فالفرق في المسافة لا يربو على العشرة كيلو مترات (1)». وقد زارها الريحاني مرة أخرى بعد سنوات وتكلّم عن تاريخها وآثارها الفينيقيّة والرومانيّة والبيزنطيّة والمسيحيّة تحت عنوان «الخربة الكبرى» وعنوانالأسطورة الخالدة» من ص 314 ولغاية ص 331.

لاسا: حيث قال عنها:[« هي قرية صغيرة كامنة آمنة في منعطف الوادي الذي ينبع في رأسه نبع الحديد، ويجري عند قدميه نهر أدونيس. وفي هذه القرية ثلاثة من متناقضات الحياة، هي إسم القرية، وأهلها، وفي كرسيها الماروني. فأين أدونيس وعشتروت وأين عبّادهما من هذه الشطائب والشواذات؟

لا أظن أنَّ المطران يوحنّا مراد رئيس أساقفة بعلبك يستطيع أن يخبرنا ما الأصل في إسم القرية التي هي مقره الصيفيّ ـ لاسا ـ من أين جاء هذا الإسم إلى لبنان؟

وقد تكلّم المكاري محبوب قائلاً لهبخصوص لاسا؟ والله يا معلّمي أهلها أوادم. وصدقهم في البيع والشراء معروف...» إلى أن يقول لهكل ما أعرفه عن لاسا هو أننا نحمل إليها فخّار بيت شباب ونبيعه لأهلها بأسعار زائدة، ونشتري منهم الفاصوليا والحمص والعدس بأسعار زهيدة (2)»].

شواتا: حيث قال عنها:[« وكان محبوب سائراً في الطريق الذي يخشاه، إلى المكان الذي شئته أنا، وما شاءه هو خوفاً من قطّاع الطريق، فلّما وصلنا إلى حيث طاح حجر المعاز، بانت الجادّة التي تدور غرباً بشمال ثُمّ تستقيم غرباً، فتقطع ساقية تدعى نهر بوندي، فتمرُّ بقرية شواتا، وكل سكانها، نحو ثلاثمائة نفس من الشيعة، ومنها إلى لاسا (3)»].

ومنذ خمسين عاماً تقريباً أصبحت بلدتا شواتا ولاسا مجتمعتين ببلدية واحدة وهي بلدية لاسا.

علمات وقراها: وتحدّث عن علمات وقراها تحت عنوانخرائب الآلهة» مُتكلماً عن تاريخها الفينيقي وعن الأساطير القديمة وعن الآثار الموجودة بها وأهمها آثار كوع المشنقة حيث قال:[« هناك بقية سور رباعي مستطيل كان يسوّر الهيكل والأبنية اللاحقة به، وقد أمست من الاطلال الدوارس، ولم يبقَ غير بعض القواعد لعمد الهيكل، وقد قام الشوك عندها خطيباً.

أمّا الأرض داخل السور فقد زُرعت صفوفاً معدودة من التبغ، الذي كان يزرعه أبناء علمات بلا حساب في الماضي. وأمسى زرعه اليوم مقيّداً بقوانين شركة الإحتكار الأجنبية...(4)»].

كما جاء في بداية حديثه عن قرى علمات:[« وها نحن للمرّة الرابعة في البلاد الجبيليّة نسلك الطريق التي سلكناها سابقاً إلى طورزيّا، فيصبح نهر إبراهيم وراء الجبل الجنوبي، وعلى قُمَّته قرية بير الهيت، ويظلُّ مُحتجباً حتى نصل إلى المشنقة، القرية المعروفة بخرائبها القديمة.

نستمر في الطريق من طورزيّا شرقاً، فنشرف على وادي فرحت إلى اليمين ونمرُّ بثلاث قرى هي الحريق والصوانة وعلمات والأخيرة أكبرها وكانت مشهورة بتبغها، ذلك التبغ الذي كان يتغزّل به الجدُّ والعم والوالد، ويتاجرون وهم يتغزّلون.

بلغنا المشنقة وهي على ستين كيلو متراً من بيروت، وألف ومئتي متر علواً من البحر.بلغناها وما رأينا منها غير دكّان على الطريق، وبعض المكاريين يحمِّلون بغالهم خشباً، قطع حطبٍ للوقود، وألواحاً وروافد للبناء.

هي ذات صورة فينيقيّة حيّة، بل هي صفحة من الماضي صادقة الخبر والمعنى. وهذه هي الجبال التي كانت تكسوها غابات الأرز والشربين في ذلك الزمان. وهوذا الحطّاب والتاجر يرافقهما المكاريون (5).

كما زار قرية الحصون للإستقصاء وللسؤال عن عقار ورثه عن والده، حيث قالنزلنا في العقبة من بير الهيت ماشين كلنا، نسوق الحمار أمامنا، حتى بلغنا البطحاء. فأعدت تنظيم الموكب، إكراماً لأهل القرية، وخصوصاً «للشريك » الذي كان يفاخرهم بـ «معلميه». أجل. استأنفت الركوب، وأمشيت الدليل أمامي، والحمار ورائي، وسرنا بهذه الأُبهة إلى قرية الحصون، حيث الكنز العظيم (6)»].

غير أنّ أحلام الريحاني بإرثه بهذا العقار في قرية الحصون وبإنتاج هذا العقار خلال عشر سنوات قد ذهبت أدراج الرياح حيث تحدّث عن إجتماعه ليلاً بأهالي القرية واستمع لاسئلتهم الكثيرة حول أقاربهم في أميركا حتى ارهقوه بالسؤالات وعن أسعار القمح والشعير والصابون والزيت والزيتون والشرانق، وعن البقر وسوقها والمعزى ومرعاها في المتن وبالتالي نومه على السطح وبعدها يقول:[« وجاء الصباح البسّام، مُبدد الأحلام، فأفضى الشريك إليَّ بأخباره التي بدأت وانتهت بالويل والبلاء. وكانت بلاياه، من الزمان، ومن الحكومة، ومن المُرابين، ومن الجيران المُعتدين، والبلية الكبرى يا معلّمي... فهمت بالاستقراء والإستنتاج، قبل أن فاه ببيت القصيد، أن الكنز قد ذاب، ولا جدوى في السؤال عن قسمة أو حساب. ولكن المُخيلة خذلتني، فما ماشتني إلى أقصى حدود النكبة.

فبعد أن شربنا القهوة، وأكلنا العنب والتين، وجاءت الشريكة بنرجيلة استعارتها من بيت كاهن القرية، كشف الشريك الستار عن كل ما به، فعلمت أن البيت مرهون، والكلُّ غارق في الديون، والدهر يا معلّمي، ملعون.

وقد أقسم الشريك بالله وبمريم العذراء وبجميع القديسين أنّه يعيد إليّ المال بعد سنتين، ويعيد الأرض إلى سابق خيرها وخصبها، فتجيئنا إذ ذاك قسمتنا في كل موسم: وحياة الله يا معلمي، وحق جميع القديسين (7)»].

يحشوش: تكلّم عن يحشوش تحت عنوان خاص وتكلّم عن اسطورة أدونيس وعشتروت الفينيقيّة وعن الآثار الفينيقيّة التي بها وعن نهر أدونيس الفاصل بينها وبين بلاد جبيل وعن صديقه المرحوم داود بركات وعن سنديانته التي طالما كان يتغنى بها ويحنُّ إليها، ويتخذها رمزاً للوطنيّة اللبنانيّة.

كما ذكر أدباء يحشوش وهم بطرس معوّض، والشاعر شكرالله الجرّ، وأخوه الخطيب عقل من أدباء هذه البلدة المتنسّكة بين الجبال إلى أن قال:[« لقد أُسست يحشوش، أقدم وأكبر قرية في الفتوح، في القرن السادس للمسيح، أو أعيد تأسيسها بعد أن كانت قرية فينيقيّة. ولفترة طويلة كان أكثر سكانها من الشيعة، وفي القرن الثاني عشر، كان زعيمهم اسماعيل حماده يجلس على سدّة الزعامة (تخت روان) التي كانت تنصب له مكان البركة، فيقضي في النّاس والكرباج بيده.

ثُمّ ذهبت أيام اسماعيل وتخت روانه وكرباجه، شرع المسيحيون بعده يتوطنون يحشوش، ويكاثرون الشيعة، حتى أمسوا نفراً قليلاً، وغدت البلدة معقلاً للنصرانيّة، بل للمارونيّة القحّة، رمزها السنديانة والمزامير، وشفيعها القديس سمعان العمودي...(8)»].

 الهوامش:

(1) «قلب لبنان» للريحاني، ص 42، دار الجبل، بيروت ـ الطبعة الرابعة 1971م.

(2) نفس المصدر، ص 43 ـ 44.

(3) نفس المصدر، ص 40.

(4) نفس المصدر، ص 283.

(5) نفس المصدر بتصرف. بلدية علمات في أيامنا تشمل ثلاث قرى وهي: 1ـ الصوانة، 2ـ علمات الجنوبيّة وكان اسمها القديم«الحريق»، 3ـ علمات الشمالية.

(6) نفس المصدر، ص 180.

(7) نفس المصدر، ص 181 ـ 182 بتصرف.

(8) نفس المصدر، ص 345 بتصرف. مع ملاحظة أنّ الشيخ إسماعيل حمادة كان شيخاً وزعيماً للحماديين في كسروان وجبيل أواخر القرن السادس عشر أو أوائل القرن السابع عشر وكانت قاعدته في الشتاء يحشوش. وفي الصيف لاسا.