مكوّنات التلقيّ الأدبيّ - الحلقة الرابعة

20/4/2013
العدد الواحد والاربعون نيسان -2020

بقلم البروفيسور عاطف حميد عوّاد

القارئ

لا شكَّ أنَّ مفهوم «القارئ» اكتسبَ قوتَهُ وحضوره ووجوده الأنطولوجي في نظريات ما بعد الحداثة أي في نظرية التلقي والسيميائية والتفكيك ....إلخ فهذه النظريات هي التي أعادت الحق الضائع للقارئ إليه، ومنحته الحق في تعيين النص بعدما كان الأخير مملوكاً للمؤلِّف، ومن هنا يأتي السؤال الخطير ما القارئ؟، إنَّ «القارئ» في اللغة العربية يمنح وجوده من الفعل «قَرَأَ» بصيغة اسم «الفاعل»، وهذه الفاعلية هي التي تمنح «القارئ» الطَّاقة على الإخصاب من خلال فعل القراءة الذي يتحقَّق في «النَّص» من خلال القارئ، فلا حياة للنص إن لم يكن ثمة قارئ لـه، يوقظه من سباته، وينفخ فيه معنى الحياة، ومِنْ ثَمَّ يحدث التلقي والتواصل بين النَّص والقارئ.

إنَّ ولادة «القارئ» في نظريات ما بعد الحداثــة بدأت مع مقــالـة «موت المؤلِّف» التي كتبها بارت في مرحلته ما بعد البنيوية، يقول بارت: «النَّصُّ مصنوع من كتابات مضاعفة، وهو نتيجة لثقافات متعددة، تدخلُ كلّها بعضها مع بعضٍ في حوارٍ، ومحاكاة ساخرة، وتعارض، ولكن ثمة مكان تجتمع فيه هذه التعددية، وهذا المكان، ليس الكاتب، كما قيل إلى الوقت الحاضر، إنّهُ القارئ»(1)، إذا ما تمعنَّا في هذه «القبسة» من «موت المؤلِّف»، سوف نجد أنَّ بارت يلحُّ أنَّ الذي يمنح المعنى للنص ليس هو المؤلِّف وإنَّما القارئ، فالمؤلِّف الذي احتكر معنى النَّص تبين أنَّهُ لا يمتلك شيئاً من ذلك ، ذلك أنَّ صوته واحدٌ من جملة أصوات، وفقاً لنظرية التناص، التي يتألف منها النص، ولهذا فالأقدر على تعيين النص مؤقتاً هو القارئ ولهذا يختم بارت مقالته المعروفة بجملةٍ استفزازية: « ولقد نعلم أنَّهُ كي تستردَّ الكتابة مستقبلها، يجب قلب الأسطورة، فموتُ الكاتب هو الثمنُ الذي تتطلبه ولادة القارئ»(2)، هكذا يصبح القارئ هو المتحكم بالنَّص من حيث تعيين الدلالة فيه.

ونجد أنَّ هذا الدور يتعاظم في نظرية التلقي على نحوٍ عنيفٍ، فكيف تجلَّى القارئ في هذه النظرية وكيف رصد منظروها العلاقة بين النَّص والقارئ؟ من الأهمية بمكان الإشارة إلى الحضور الطاغي للقارئ في عنوان هذه النظرية «التلقي»، الأمر الذي يعني اهتماماً من عندها بالقارئ بوصفه الطرف المهم في تشكيل المعنى، فالنظرية أصلاً قائمة أو بنيت بقصد التواصل الأدبي، يقول ياوسمنذ 1966 لم تتوقف جمالية التلقي، المعروفة باسم «مدرسة كونستانس» عن التطور لتتحول إلى نظرية للتواصل الأدبي، وينحصر موضوع أبحاثها في التاريخ الأدبي باعتباره إجراءً يوظِّفُ ثلاثة عناصر فاعلة هي المؤلِّف والعمل الأدبي والجمهور أي عملية جدلية تتمّ فيها دائماً حركة بين الإنتاج والتلقي بواسطة التواصل الأدبي»(3)، وتتضحُ مكانة القارئ في أعمال ياوس من خلال كتابه «جمالية التلقي» حيث يشدِّدُ على دور القارئ وعلى الجدلية بين لحظتي الإنتاج والتلقيغير أنَّ كثرة تداول هذا المبتكر المعنوي (يقصد التلقي) في النظرية الجمالية العالمية تستدعي التدقيق في استعمالها، فالتلقي بمفهومه الجمالي، لا ينطوي على بعدين: منفعل وفاعل في آن واحدٍ، إنَّهُ عملية ذات وجهين أحدهما الأثر الذي ينتجه العمل في القارئ والآخر كيفية استقبال القارئ لهذا العمل (أو «استجابة» لـه) فباستطاعة الجمهور (أو المرسَل إليه) أن يستجيب للعمل الأدبي بطرائق مختلفة، حيث يمكنه الاكتفاء باستهلاكه أو نقده أو الإعجاب به أو رفضه أو الالتذاذ بشكله أو تأويل مضمونه أو تكرار تفسيرٍ لـه مسلّمٍ به أو محاولة تفسير جديد لـه، كما يمكنه أن يستجيب للعمل بأن يُنتج بنفسه عملاً جديداً.

هكذا إذن تُستنفد السيرورة التواصلية للتأريخ الأدبي: فالمنتج هو أيضاً ودائماً «متلقٍ» حين يشرع في الكتابة، فبواسطة كافة هذه الطرق المختلفة يتشكَّلُ معنى العمل على نحوٍ جديد باستمرار، نتيجة تضافر عنصرين: أفق التوقع (أو السنن الأولى) الذي يفترضه العمل، وأفق التجربة (أو السنن الثاني) الذي يكلمه المتلقي»(4)، في هذا المقبوس الطويل نسبياً يكشفُ ياوس عن مكانة القارئ في «نظرية التلقي»، وقارئ ياوس ليس بقارئ رولان بارت الذي يولد إثر موت المؤلِّف، وإنما يمتاز بخاصتي الانفعال والفاعلية؛ فهو بقدر ما يتأثر بأثر النَّصِّ، فإنّه ينطلق للتأثير في النص ذاته، وذلك بمحاولة تفسيره أو تأويله، وفاعلية القارئ تتنوع لدى ياوس بين الاستهلال أو الإعجاب أو الرفض وربما إنتاج عمل جديد، لكنّ الخطير لدى قارئ ياوس وهو أنَّهُ أحد المكوّنات التي لا بُدَّ منها لإنجاز معنى العمل الأدبي، فهذا المعنى يتشكَّل عبر الصدام بين النص والقارئ، أو بين عبارة أخرى بين تاريخٍ ماضٍ وتاريخ حاضرٍ، وإذا كانت «جمالية التلقي» قد «أعادت للقارئ من وجهة نظر تاريخية هيرمينوطيقية عند (ياوس)»(5)، فإنّها أعادت هذا الاعتبار من «وجهة نظر ظاهراتية عند (إيزر)»(6)، فكيف نظر إيزر إلى «القارئ» في ظواهريته (الفينومنولوجيا)؟

ينطلق إيزر في رصد ظاهرة القارئ إزاء النص من النظرية الظاهراتية ومكتسبات «جمالية التلقي»؛ ولهذا فهو يصرُّ على التفاعل بين النص والقارئ، بمعنى ضرورة النص والقارئ لإنجاز الفعل التأويلي لهذا يقول: « من أهمِّ النقاط في قراءة كُلِّ عملٍ أدبي التفاعل بين بنيته ومتلقيه»(7)، ثم يضيف «أنَّ العمل الأدبي لـه قطبان يمكن أن نطلق على أحدهما القطب الفني والآخر الجمالي، والقطب الفني هو نص المؤلِّف، والقطب الجمالي هو عملية الإدراك التي يقومُ بها القارئ»(8)، ونلاحظ أنَّ إيزر يكرر هنا مقولة ياوس في أنَّ العمل الأدبي ينشأ من أثر النص في القارئ واستجابة القارئ للنص، وتبرز فعالية القارئ لدى إيزر بقوله: « وبمرور القارئ عَبْرَ هذه الرؤى المتباينة التي يعرضها النص وربط مختلف الآراء والأنماط ببعضها بعضاً، فإنَّهُ يبدأ في تفعيل العمل، وبالتالي في تفعيل ذاته أيضاً»(9)، وما ندركه هنا أنَّ النص ينطوي على رؤى ومواقف مختلفة ومتنوعة تنهضُ في قراءة القارئ، وبمعنى آخر، فإنَّ دور القارئ