الإمام السيّد موسى الصدر بعيون مسيحيّة

29/9/2015
العددان الثلانون والواحد والثلاثون ايلول-2017

«لبنان وطن نهائيّ لجميع أبنائه»

بقلم: راعي أبرشية جبيل المارونية

سيادة المطران ميشال عون (1)

 

يشرّفُني أن أقف أمامكم متكلّماً في الذكرى السابعة والثلاثين لإخفاء سماحة الإمام المُلهَم والعلاّمة السيد موسى الصدر الذي طالته يدُ الغدر والخيانة مع رفيقين له إبّان الحرب التي كانت تفتك بوطننا الحبيب لبنان وتُقطّعُ أوصاله، بينما كان هو يعملُ بوحيٍ من إيمانه وقناعاته الوطنية، وبكلّ ما آتاه الله من قوّة، ليساهم في إنقاذ وحدة لبنان واللبنانيين. هذه الذكرى، التي نحتفل بها بدعوةٍ من حركة «أمل» ـ إقليم جبل لبنان، هي عزيزةٌ على قلب كلّ لبنانيّ يؤمن برسالة التعايش الإسلامي ـ المسيحيّ كثروةٍ يجب التمسّك بها، لأنها تذكّرُنا برجلٍ من رجالاتِنا العظام يبقى بالنسبة لنا جميعاً قيمةً كبيرة بفكره النيّر السبّاق، وبنضاله من أجل أن يكون لبنان وطناً نهائياً لجميع أبنائه، ولأنه كان في بني قومِه حاملَ رسالةٍ بيضاء، ساعياً إلى رفع شأن أمّته باستنهاضِها وبدفعِها على طريق التُقى والعلم والمساواة في حقوق أبنائها والواجبات، وبدعوتِها إلى الثقة بالنفس ومقاومة المظالم اللاحقة بها.

سأتناول في كلمتي اربع نقاطً لإظهار ما كان للإمام موسى الصدر من دور في إرساء شأن التعايش وفي الكِفاح من أجل لبنان موحَّد على قيم الحب والسلام والتلاقي.

الإمام والحوار

في ستينيات القرن الماضي، وبمبادرة من الأستاذ ميشال أسمر مؤسس الندوة اللبنانية، اجتمع تحت قبة الندوة وبهدف التفكر معاً بالحوار وأهميته السيدُ الإمام موسى الصدر مع الأب يواكيم مبارك والشيخ صبحي الصالح والأب (المطران فيما بعد) جورج خضر، في حلقاتٍ متتالية شكّلوا من خلالها باكورةً ونموذجاً للحوار بين المسيحية والإسلام. فحوارُهم تميَّز بالصراحة والعمق والموضوعية والشعور بالمسؤولية، بعيداً كلَّ البعد عن المسايرة والمساومة والمجاملة وخاصة الخطاب المزدوج، التي تشكل كلُّها عوائقَ أمام الحوار الصحيح.

إنّ أهمَّ ما أنتجَه هذا الحوار هو الوثيقةُ المشتركة الموقعة من قبل علماء الحوار هؤلاء مع زملاء لهم حدّدوا فيها ضرورة تعليم الأديان في المدارس بشكل موضوعيّ، حيث تُعرِّفُ كلُّ مجموعةٍ عن ذاتها بدل أن يكون لكلٍّ منا صورةٌ عن الآخر مبنيةً على الأفكار المُسبقة أو الخاطئة، وإنشاء معهد جامعيّ للعناية بهذا الشأن. بذلك تتغلبُ المعرفةُ على الجهل، والانفتاحُ على التقوقع، والتفاعلُ على التباعد، والحوارُ على الصور النمطية المعلَّبة.

والسؤال الذي نطرحُه اليوم، في استذكار الإمام المُغيَّب الذي ناضل من أجل هذه القيم، أين نحن من هذه الأفكار والممارسات؟ وما هي مسؤوليتُنا للمحافظةِ على هذا الإرث وتطويرِه وتأويله وجعلِه ملائمًا للتحديات الحالية، بحيث يبقى لبنانُ بلدَ الرسالة، أي بلدَ التعدديةِ المتصالحة والمواطَنةِ الحاضنة للتنوع، وهذا تحدٍّ كبير في هذه المرحلة بالذات التي تشهَدُ في بعض الأماكن من وطننا ومن شرقِنا تناميًا للأصوليات وللممارسات التي تقوِّضُ الأسس التي تدعم العيش المشترك.

الإمام ورسالة الأديان الإنسانية

لقد أسس الإمامُ حركةَ المحرومين، التي أصبحت في ما بعد عنواناً لنضال الطائفة الشيعية وانخراطِها

 

في الحياة الوطنية العامة. ولكن ما لا يعرفه الكثيرون هو أن هذه الحركة انطلقت كحركةٍ وطنيةٍ شاملة، وقّعت على بيانِ تأسيسِها شخصياتٌ تمثل مختلفَ مكوّناتِ المجتمع اللبناني، بمن فيهم رجالُ دين ومفكرون مسيحيون.

لا يمكن لقيمة التضامن أن تكونَ مجزّأةً فتشملَ فئةً من الناس دون أخرى، لأنها تصبح بذلك عصبية وتفقدُ قيمتَها الإنسانية. وفي إحدى خطبه في شهر رمضان الفضيل، ذكّر الإمامُ الصدر بأن الأديان جاءت لخدمة الإنسان وهو غايتُها وسببُ وحدتِها. أما الابتعاد عن هذا الهدف فهو السبيل للصراع بين أتباعِها.

كم من المؤسف أن تكون إحدى نتائج الحرب الأهلية في لبنان الفرز الطائفي وبعض الأحيان الديمغرافي أو الثقافي والاجتماعي. وهذا ما حوّل في بعض الأحيان قضايا الشأن العام، كالتضامن مع المحرومين والسعي لتحريرهم مسألةً طائفية أو مذهبية أو فئوية، وجرّد هذه القضايا عن بُعدها الإنساني والوطني الشامل. هذا الواقع لا يساعد في بناء الشخصية الوطنية المبنية على الالتزام بقضايا الوطن العامة والتمسك بالقيم الإنسانية الشاملة.

يدفعنا هذا الواقع للتفكر معاً بمسؤوليتنا اليوم للعمل على تبيان القيم المشتركة التي نحن مؤتَمنون عليها، كمؤمنين مسيحيين ومسلمين، لإعادة توضيح الصورة فلا تكون قضية الإنسان والإنسانية سبباً للتفرقة والخلاف بل مجالاً للتعاون وتعزيز الوحدة والتضامن وحمل المسؤولية المشتركة أمام الله الواحد.

الإمام والحرب الأهلية

عندما اندلعت الحرب الأهلية في لبنان، وتمَّ استهدافُ المواطنين المسيحيين في قرى بقاعية مختلفة، اعتصم الإمامُ موسى الصدر في مسجد العامليّة مُطلِقاً نداءَه الشهير: إن كلَّ رصاصةٍ تُطلق على دير الأحمر والقاع وشليفا وأهلِها، تُطلق على صدري وأهلي ومحرابي. رفض الإمامُ بهذا الكلام رفضاً قاطعاً كلَّ أشكال الحرب الأهلية والاقتتال بين الإخوة في الوطن الواحد، وتلاقى برفضه هذا مع موقف بكركي وسيّدِها، ومع عددٍ من الذين ظلّوا مؤمنين بدور لبنان الرسالة، وبرسالة لبنان المميزَة بين كافة بلدان المشرق والمغرب، كما سيُعلن لاحقًا قداسة البابا القديس مار بولس يوحنا الثاني في إرشاده الرسوليّ «رجاء جديد للبنان». وكم يؤسِفنا أن نرى اليوم بأن الرياح جرت باتجاهٍ آخر، وما تمناه الإمامُ لم يتحقق بل ربما دفع ثمنَه بتغييبه، لكي تخلو الساحة للذين لا يأبهون بوصيته ولا يترددون في رفع السلاح بوجه المواطن الآخر خدمةً لمصالح أنانية أو تنفيذاً لأجندات خارجية...

كم نحتاجُ اليومَ في لبنان إلى إعادةِ توضيحِ الصورة، والتأكيدِ على واجب الوطن في الدفاع عن أرضه تجاه أي مُعتدٍ، وتحريمِ أيٍ كان من رفع السلاح داخل الوطن أو استغلالِه لمسائل تتعلق بالحياة العامة المشتركة وشؤونها.

الإمام والاختلاف الديني

في شباط 1975، أسابيع قبل بداية الحرب في لبنان، افتتح الإمامُ الصدر سلسلةَ «عظات» الصوم في كنيسة الآباء الكبّوشيين في وسط بيروت. ولم يتردّد هذا الإمام الكبير في الجلوس في خورس الكنيسة، تحت الصليب، متحدثاً لجمهور في غالبيته من المسيحيين عن قضايا الإيمان والقيم المشتركة، وهو مُدرِكٌ أنه يخاطب مؤمنين وإن اختلفوا في دينهم عنه.

لَم يَخَفْ الإمامُ من الاختلاف، ولم يسأل ماذا سيقول عني المسلمون وأنا أتحدث في كنيسة... لقد عبر بموقفه هذا عن قبوله للاختلاف الديني وللوحدة في الإيمان بالله الواحد والقيم المشتركة في آن.

إن الوحدةَ في الإيمان أيها الكرام تنبع من قُدسية ما نعتقد به. فالإسلام واحد ولو تعدّدت مذاهبُه، وسماحة الإمام كان يفضّل في كلّ حال كلمة مذاهب على كلمة طوائف. فالرسالة منذ بداياتِها كانت جامعة، وعندما خرج الحسين في كربلاء، لم يكن خروجُه من أجل المطالبة بخلافةٍ أو مُلكٍ، ولا من أجل جمعِ فئةٍ خاصة، إنما هو خرج لإصلاح الأمر وتحقيق الرسالة الجامعة. لذلك، فإن كلَّ تطرّفٍ من هذا المذهب أو ذاك، وكلَّ تطرّفٍ يخالف في التاريخ هذا المنحى، إنما يصبُّ في غير وحدة المسلمين وفي خارج مصلحتهم. وينسحبُ الوضعُ عينُه على المسيحيين في التعاطي فيما بينهم كما في تعاملهم مع المسلمين في هذا الشرق والعالم بأسره. المسيحية ليست قومية أصلاً بل هي عالمية التوجّه والانفتاح على كلّ الحضارات والشعوب، شأنُها في ذلك شأنَ الإسلام بعالميته وانفتاحه على جميع الشعوب. إن المسيحية هي جزءٌ أصيل من هذا الشرق كالإسلام، وقد كُتب عليهما أن يُشكّلا فيه عنصرَ التلاقي بين أكبر ديانتين في الدنيا لحُسنِ توجيه المؤمنين من أبنائهما في كلّ أرض. بهذا المعنى رأينا سماحة الإمام يُعلِنُ في العام ١٩٧٧ أن لبنانَ ضرورةٌ حضارية، وأنه في هذه المرحلة بالذات من التاريخ قد أصبح ضرورةً قصوى للعالم، وأن التعايش على مستوى الأمم مرتبطٌ ومتأثّرٌ إلى حدّ كبير بنجاح صيغة لبنان بالذات.

كم نحتاج اليوم إلى هذا المثال الذي يؤكد على احترام الاختلاف، وعدم اعتباره حاجزاً أمام العلاقات بل حافزاً للتواصل وتبادل الخبرات الروحية، كحجاج نسير جميعاً على دروب الحياة ساعين لتحقيق مشيئة الله والعيش من بركته ووعده لنا بالخلاص.

الختام

ومن وحي ما قلناه في الإمام الصدر وانطلاقًا من قناعتِنا أن لبنان في دعوتِه السامية هو وطنٌ نهائيٌ لجميع أبنائه ووطنُ الرسالة في صيغته وتعدُّدِه، نوجّه نداءً من عميق وجداننا، إلى أصحاب القرار في لبنان وإلى القادة السياسيين بمختلف أحزابهم وتياراتهم، كي يعملوا في هذه المرحلة العصيبة من تاريخ وطننا على استجماع الهمم للنهوض به من هذه الأزمة الخانقة بروحٍ كبيرةٍ من المسؤولية والتجرّد والتعالي على المصالح الذاتية والآنية، فيبذلوا ما بوسعهم مع التضحيات اللازمة للخروج من هذا المأزق الذي يهدّد لبنان في جوهره. إن الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وفي أوّلها عدم انتخاب رئيس للجمهورية وما ينتج عنه من شللٍ في الدولة على كافة الصعد، كل هذه الأزمات تضربُنا في الصميم وتُحزن الشعبَ اللبنانيّ وتُفقدُه الأمل والرجاء بمستقبل زاهر لوطنهم.

فلنعمل كلُنا معاً، إذا كنا لا نزال مؤمنين بوطن الرسالة، كي يبقى لبنان أمام هذه التحديات كلِّها وطنًا نهائيًا لجميع أبنائه. وشكراً.

 

الهوامش:

(1) الكلمة التي ألقاها سيادة المطران ميشال عون عصر يوم الاثنين في 24/8/2015م. من على منبر دير سيدة المعونات في جبيل بمناسبة الذكرى السابعة والثلاثين لإخفاء الإمام السيّد موسى الصدر بدعوة من حركة «أمل» ـ اقليم جبل لبنان.