بشر الحافي وعلي الجرجرائيّ في جبل لبنان

25/11/2019
العددان التاسع والثلاثون والاربعون تشرين الاول -2019

بقلم الباحث الأستاذ السيّد محمد يوسف الموسويّ

من هو بشر الحافي بن الحارث!

هو بشر الحافي بن الحارث، وقيل ابن عبد الرحمن المروزي البغدادي المتوفى ببغداد في مُحرّم سنة ٢٢٦هـ. عن عُمر بلغ ٧٦ سنة، يقع مرقده الشريف الطاهر في مدينة بغداد في مقبرة باب حرب التي كانت على شاطىء نهر دجلة. وهذه المقبرة قد غرقت في فيضانات نهر دجلة ولم يسلم منها إلاّ موضع قبر بشر الحافي لأنّه على نشز من الأرض.

وممّن دُفن في مقبرة باب حرب من مشاهير الأعلام أيضاً كان أبو بكر الخطيب وكثير من العلماء من أعلام المسلمين. كما كانت تقع شمال غربي مقبرة باب حرب المقبرة المُسماة مقبرة الشهداء.

وفي الشمال الشرقيّ من مشهد الكاظمين o، مقبرة تدعى مقبرة باب التبن، وباب التبن هذا كان أحد أبواب مشهد مولانا الإمام موسى بن جعفر الكاظم o، وكان له نقابة تختص به وقد تسلّمها وزاولها أحد أعلام السّادة من عقب عمّنا السيّد محمّد بن الحنفيّة إبن مولانا الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب t، وكان من شأن هذا النقيب الجليل في باب التبن أنّه ممن نفى نسب بني العقروق إلى السيّد زيد الشهيد (رض).

[« وبشر الحافي في قبره هذا المشهور في زماننا المعاصر بقبر الشيخ بشّار على ألسنة العوام من النّاس»]. ويرتاده النّاس للتبرك والدعاء والزيارة من المؤمنين والمتصوفة.

قال الشيخ محمّد حرز الدين أنّه في أواخر العهد العثمانيّ بالعراق كان له قبر بسيط قريب من ضفاف دجلة(١).

وفي مقبرة باب التبن التي تقع في القطيعة الزبيدية كان قد دفن فيها عبدالله بن أحمد بن حنبل في سنة ٢٩٠هـ. ـ ٩٠٣م. وانهار قبره في الماء من فيضانات دجلة، وذلك في حدود منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، وفي سنة ١٣٨٧هـ ـ ١٩٦٧م. وقف الشيخ محمّد حسين حرز الدين حفيد الشيخ محمّد حرز الدين صاحب تحقيق كتاب جده على قبر بشر الحافي فيقول عن مشاهداته ما يلي:[« وجدته في غرفة صغيرة تقع على يسار الداخل من الباب المؤدي إليه وإلى الجامع بجنبه، وكان لرسم قبره شباك حديد فوقه ستارة، ولم تكن على قبره قبة كما هي شعار القبور المُعَنْوَنَة بأصحابها»]، ويضيف قائلاً:[« قد أشادت الأوقاف العراقيّة قبره وجامعه وذلك سنة ١٣٨١هـ ـ ١٩٦٢م. وكتب تاريخ بنائه بالقاشي على واجهة باب جامعه الجديد، كما كُتِبَ في لوحة من القاشي على الجدار بجنب مقبرته من الشارع ما نصه: هذا قبر بشر الحنفي(٢) وصوابه الحافي، يقع قبره في محلة الحارة ضمن قضاء الأعظميّة ببغداد في أواخر سوق شارع الحمام بين دجلة في الشمال وبين قبر الإمام المعظّم جهة الجنوب الشرقيّ»].

كان بشر في بداية أمره يتعاطى الشراب ويقضي لياليه وأيامه في المجون...، فاجتاز الإمام موسى بن جعفر الكاظم o، على داره ببغداد فسمع الملاهي وأصوات الغناء والقصب تخرج من تلك الدار، وقد خرجت منها جارية وبيدها قمامة فرمت بها في الطريق، فالتفت الإمام إليها قائلاً:« يا جارية صاحب هذه الدار حرٌّ، أم عبد؟.

فأجابت بأنّه حر.

«صدقت لو كان عبداً لخاف من مولاه». ودخلت الجاريّة الدار وكان بشر على مائدة السكر، فقال لها:«ما أبطأك؟ فنقلت له الحديث الذي دار بينها وبين الإمام t، فخرج بشرٌ مسرعاً حتى لحق الإمام فتاب على يده واعتذر منه وبكى، وبعد ذلك أخذ في تهذيب نفسه واتصل بالله إتصالاً مُنقطع النظير حتى فاق أهل عصره في الورع والزهد»، قال فيه إبراهيم الحربي:« ما أخرجت بغداد أَتمُّ عقلاً ولا أحفظ للسانه من بشر بن الحارث في كل شعرة منه عقل». وقد أعرض عن زينة الحياة الدنيا، ورضي بالقناعة، وقال فيها: لو لم يكن في القناعة شيء إلا التمتع بعزِّ الغناء لكان ذلك، يجزي، ثُمّ أنشأ يقول:

أفادتني القناعة أيُّ عز

ولا عزَّ أعزُّ من القناعة

فخذ منها لنفسك رأس مال

وصيّر بعضها التقوى بضاعة

تحز الحال تُغني عن بخيل

وتسعد في الجنان بصبر ساعة

وكان يتذمر من أهل عصره، ويكره الإختلاط بهم وذلك لفقدان الأحرار والمصلحين، وكثرة الأشرار والساقطين، لذلك ابتعد عن الاجتماع بكثير من النّاس حتى أنّ المأمون تشفع بأحمد بن حنبل في أن يأذن له في زيارته فأبى ولم يجبه، ومن شعره في تذمره من أهل زمانه قوله:

ذهب الرجالُ المُرتجى لفعالهم

والمنكرون لكل أمر منكر

وَبقيتُ في خَلفِ يزينُ بعضهم

بعضاً ليدفع مُعوّر عن مُعَورِ

توفي بشر سنة ٢٢٧ هـ. ودفن في بغداد، وله جامع يقع بجانب مسجد الإمام المعظّم، وأمّا القبر المشهور بقبر الشيخ بشّار فإنّه ليس بقبر بشر الحافي كما توّهم بعضهم بل هو لبشّار المعروف بالزهد.

كان بشر الحافي من أولياء المتصوفة ببغداد، ثُمّ أصبح تائهاً في أودية الجهل واللهو والفسوق وورد أنّه آب وأناب إليه تعالى ببركة العبد الصالح الإمام موسى بن جعفر o، وموعظته.

وقد تاب توبة نصوحاً على يده، هكذا روي. وأصبح بشر يعدُّ من أكابر الأولياء المتعففين الّذين تتمنى الوجوه والأعيان من الدولة العباسيّة الجلوس بخدمته والسماع لحديثه، وقد اعتزل النّاس وأكبَّ على العبادة والرفض لزخارف الدنيا، كما أحبَّ العزلة عن رجال السلطان وأتباعهم.

أصله من مرو وسكن بغداد مات بها عاشر المحرم سنة سبع وعشرين ومائتين(٣) وسبب تلقيبه بالحافي لأنّه جاء إلى إسكاف يطلب منه شِسْعاً لأحد نعليه، وكان قد انقطع، فقال له الإسكاف؛ ما أكثر كلفتكم على النّاس! فألقى النعل من يده والأخرى من رجله، وحلف لا يلبس نعلاً بعدها (٤).

ويروي ابن الملّقنْ المصري يقول عن سبب توبته، أنّه أصاب في الطريق رقعة فيها إسم الله، وقد وطئتها الأقدام، فأخذها واشترى بدرهم كان معه غالية، فطيبها وجعلها في شق حائط، فرأى في المنام كأن قائلاً يقول: يا بشر اطيبت اسمي، لأطيبنّ إسمك في الدنيا والآخرة(٥).

عاصر وعايش جماعة من أهل الزهد والعرفان والتصوف وممّن عرفه في جبل لبنان أحد هؤلاء هو عليّ الجرجرائي، هذا الصوفي لقيه بُشر الحافي الذي كان ينزل جبل لبنان، على عين ماءٍ بجبل لبنان، قال: فلمّا أبصرني قال: بذنبٍ مني لقيتُ اليوم إنسياً؟ فعدوت خلفه وقلت: أوصني: فالتفت إليّ وقال: أمستوصٍ أنت؟ عانقِ الفقر وعاشر الصبر وعادِ الهوى وعافِ الشهوات، واجعل بيتك أحلى من لحدك يوم تُنقلُ إليه، على هذا طابَ المسير إلى الله عزّ وجل(٦).

٢ ـ علي الجرجرائي هو على ما قيل فيه أحد المتخلين عن الشهوات والمتحلي بالخلوات، تخلّى عن الجزع والهلع واستحلى الفزع والضرع. علي الجرجرائي. من قدماء المتعبدين.

كان كثير العبادة والزهد بعيداً في بُعده عن النّاس إقبالاً على العبادة. روى الحديث ونقله وتلمذ عليه جملة من طلابه إستقرَّ طويلاً في سفوح جبال لبنان وعلى طول الجبال المتصلة شرقي بحر الروم (البحر الأبيض المتوسط)، وغربي بلاد الشام وصولاً إلى سفوح جبال طوروس وكانت وفاته وضريحه في بلدة طرسوس.

الهوامش:

«مراقد المعارف» للشيخ محمد حرز الدين، ج١، ص ١٩١، برقم ٦٥، تحقيق حفيده محمّد حسين حرز الدين، نشر دار سعيد بن جبير، سنة ٢٠٧م.

هامش رقم (١) ص ١٩١ـ ١٩٢ من «مراقد المعارف».

«الطبقات الكبرى» للإمام الشيخ عبد الوهاب الشعراني، ج١، ص ١٣٣، طبعة مكتبة الثقافة الدينيّة.

«طبقات الأولياء» «سراج الدنيا» أبي حفص عُمر بن عليّ بن أحمد المصري المعروف بإبن الملقن المتوفى سنة ٨٠٤ هـ. طبعة دار الكتب العلميّة، تحقيق مصطفى عبد القادر عطاط سنة ٢٠٠٦م. ـ ١٤٢٧ هـ. ثانية ص ٩٩ وكتاب «الأنساب» للسمعاني، ج٢ـ ص ١٥٨، باب حرف الحاء مع الألف.

رماها عن ما نقله أبو نعيم في حلية الأولياء، ج٨، ص ٣٧٩.

من رام التوسع في سيرورة بشر بن الحارث الحافي (رض)، فينبغي الرجوع إلى كتاب «النساب للمعاني»، ج٢، ص ١٥٨ ، حرف الحاء مع الألف.