حلم أبيض بجانب قلعة جبيل

14/7/2011
العدد الواحد والاربعون نيسان -2020

لا أزال أذكر ذلك اليوم السعيد في حياتي، كان في الربيع من عام 1992م، عندما زارني صديقي الدكتور أحمد طّحان وبجعبته العديد من الأفكار الإبداعيّة والآمال العريضة.

بدأ الدكتور طّحان يسألني عن جبيل وعن أفضل مناطقها لإقامة جامعة خاصة. فاجأني الحديث واعتبرته على أهميته من الأمور المستحيلة التنفيذ لا سيما وأن لبنان لا يزال ينزف من جراء الحرب الأهليّة الطاحنة.

ما هي سوى أيام قليلة وإذا بي أقرأ في جريدة «الديار» بين 2ـ16/3/1992 إعلاناً أنيقاً يتضمن الدعوة لتأسيس جامعة إبن سينا للعلوم التطبيقيّة في جبيل.

في منزله العامر في كوشا التأمت الهيئة التأسيسيّة للمشروع وجمعتني والدكتور طّحان إلى أسماء معروفة في المجال العلميّ ومنها على ما أذكر: معالي الدكتور سيف الوادي الرميحي، والأستاذ ناجي حيدر حسن، والدكتور جهاد الأيوبي، والدكتور جورج شلهوب، والمهندس نديم صليبا والدكتور نزار نهاد.

إتفقنا آنذاك على إسم الجامعة وعلى أهدافها وأقسامها ومكانها، وكذلك على تأسيس شركة لتمويلها. أكثر ما أذكره حماس الدكتور طّحان وتضحياته المالية والزمانيّة من أجل المشروع، كنت يده اليمنى في العديد من جهود التأسيس، وكنا نجوب لبنان منطقة منطقة لعرض المشروع على النخبة العلميّة والقانونيّة شجعنا على ذلك القاضي الشيخ يوسف عمرو، والقاضي أديب علاّم، والشاعر ميشال جحا، والمهندس الياس الطويلة، والدكتور مطانيوس الحلبي الذي أصبح لاحقاً مدير عام وزارة التعليم العالي المستحدثة.

كانت الوزارة آنذاك لا تعرف شيئاً عن التعليم العالي وكانت عبارة عن مكتب مستعار من الوزير ميشال إده الذي أتعبنا وأتعبناه في وضع المراسيم الضروريّة لتأسيس الجامعات والمعاهد العليا. كان الدكتور طّحان على دراية عالميّة بتأسيس الجامعات وشارك مع الوزارة في تأسيس العديد من أقسامها وقوانينها.

لقد كانت الذكريات جميلة حتى هذه المرحلة، ذكريات الحماس والإكتشاف والتعارف والمناقشات العلميّة، إلى أن سقطت الوزارة وجاءت أخرى ثُمّ سقطت الأخرى وجاءت ثالثة، وكانت كل وزارة تأتي أسوأ من السابقة، كان التخبط هو سيد الموقف في وزارة التعليم العالي، وكانت الشخصانيّة والمصالح الشخصيّة والطائفيّة والسياسيّة هي الأساس في عملها وقراراتها..

أخيراً طلب الوزير أن نؤسس جمعية خاصة بالجامعة يكون من مهامها تأسيس الجامعات والمعاهد العليا، وبالفعل قام الدكتور طّحان بجهد جبار لتأسيس «الجمعيّة اللبنانيّة للتنميّة العلميّة وتطوير الموارد البشريّة»، وصدر لها العلم والخبر رقم 89/أد بتوقيع وزير الداخليّة ميشال المر بتاريخ 3 آب 1998. ضمت الجمعيّة إضافة لي وللمؤسس الدكتور طّحان كلا من الدكتور محمد المجذوب، والمحاميّة إيرما يوسف عاصي، والدكتور سليم عسلي، والدكتور محمد حرارة، والدكتورة منى صيقلي، وكان الدكتور طّحان هو ممثل الجمعيّة تجاه الدولة.

عندما استوفينا شروط تأسيس الجامعة فوجئنا بقرار لا يخلو من الغرابة، وهو بالتأكيد على غرار الكثير من القرارات اللبنانيّة الغريبة التي نشاهدها كثيراً، القاضي بتأسيس معهد ابن سينا للعلوم التطبيقيّة بدلاً عن الجامعة. لم نفهم السبب الحقيقي لذلك القرار، لم نفهم لماذا لم ترخص وزارة الثقافة جامعة على رأسها خيرة الأكاديميين والمستثمرين اللبنانيين والعرب.. قال لي الدكتور طّحان آنذاك أن الرفض كان لأسباب طائفيّة.. وأن معظم المؤسسين من العرب.

لم يتأخر قرار صديقي الدكتور أحمد طّحان كثيراً، فقد حمل أوراقه وسافر إلى الأردن، قابل مع فريقه الملك حسين واقتنع الملك بالفكرة ومنح المشروع أرضاً مناسبة وبدأ المشروع وتأسست جامعة العلوم التطبيقيّة في عمان، وهي الآن من أشهر الجامعات الخاصة في الأردن وربما في العالم العربيّ كله... هكذا خسر لبنان جامعة وربح غضباً وسخطاً يزداد يوماً بعد يوم.

أذكر أنني كنت مقرراً للجنة الإعلاميّة للمشروع، وكان علينا أن نقوم بجهد كبير لعرض أجمل ما في جبيل، جبيل البحر والتاريخ والجبل والكرم والجمال، ولا أزال أحتفظ بالكثير من الذكريات الجميلة للشيخ غسّان اللقيس إمام المركز الإسلاميّ في جبيل الذي أصرَّ أن تكون الجامعة في أرض الأوقاف الإسلاميّة في وسط المدينة، وبالفعل نظَّم صديقنا المحامي إميل بيلان عقداً لاستثمار أرض الأوقاف 38عاماً، وقد لاقى الدكتور طّحان الأمريّن حتى تمكن من إقناع مفتي جبل لبنان بالموافقة على عقد الإستثمار بإعتبار أن الإستثمارات العلميّة هي الأقل ربحيّة مقارنة بالإستثمارات التجاريّة.

أذكر صديقنا ناجي حيدر حسن ونشاطاته الأدبيّة والإجتماعيّة المتميزة، وأذكر مدرسته التنشئة الوطنيّة في الشياح والجناح وكيف وضعهما بتصرفنا مع كل ما فيهما ومن فيهما، ولا أزال أذكر الأوقات الجميلة التي كنا نقّضيها في بيته على البحر في شاليهات الأوزاعي مع كل ما تحمله من ذكريات سالفة.

ذهب مشروع إنشاء جامعة في جبيل أدراج الرياح، إنتهى الحلم، ولكن ما هي العبر التي علينا أن نفهمها ونتدبرها من تلك التجرية؟

أولا: لبنان محكوم بالتوازنات الطائفيّة والسياسيّة ولا بُدَّ لأي مشروع في لبنان من حامل طائفي، مع أنّ صديقي الدكتور طّحان قد حاول دعم المشروع من الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وزاره مراراً لهذا الغرض، واتفقا على أن يمثل الرئيس الحريري مستشاره القانوني آنذاك الدكتور محمد المجذوب الذي كان من أنشط أعضاء مجلس الأمناء ومن أكثرهم حماساً للمشروع، إلاّ أنّ الرياح لا تجري كما نريدها أن تجري في معظم الحالات.

ثانياً: التعليم العالي في لبنان يكون مقتصراً على أصحاب الإجازات من المتنفذين أو أرحامهم أو أصدقائهم أو على القوى الخارجيّة، أمّا الأكاديميين اللبنانيين الّذين لا ينتمون سوى للعلم والإبداع فلا مكان لهم في قمة هرم التعليم العالي.

ثالثاً: الفشل غالباً ما يكون الطريق الأقرب إلى النجاح وهو ليس شراً مطلقاً، فمع فشلنا في إقامة الجامعة في لبنان، إلاّ أنّ صاحب فكرتها الدكتور طّحان قد نجح في تأسيس جامعة أخرى في بلد آخر، وهو الآن مستشار عالميّ لتأسيس الجامعات الأكاديميّة، أشرف مؤخراً على تأسيس جامعة خاصة في مدينة ابوجا في نيجيريا.

لقد كان لي شرف المحاولة لعمل شيء هام في مدينتي جبيل، وكان لي شرف قبول الفشل الذي أدّى بنا لنجاحات كثيرة سوف نتكلم عنها في المستقبل إن شاء الله تعالى.

 

في 26 /5 /2011 م.

دكتور دياب عقيل شمص